طرابلس مهدّدة بـ"مذهبة" الانتفاضة... هل فات الأوان؟

25 كانون الأول 2019 | 15:40

المصدر: "النهار"

طرابلس (أسبر ملحم).

تسنين المشهد في طرابلس أتى مذهلًا بسرعته، كأنّما يشي بهزّة أحدثتها صفائح متحرّكة في أرضية أوهمت بثبوتها، وفي المنطق الثوري، بثباتها.

هزّات، بالجملة، غزت انتفاضة طرابلس منذ سُمّي حسان دياب، ومن المرجّح أن تخلط ارتداداتها كلّ الأوراق الرّابحة في حال أخفق النشطاء في إعادة تصويب البوصلة سريعًا وبواقعيّة. هزّات حفّزها خطاب طائفي ظُن أنّه صار متهلهلًا ولكن بدا أنه حجب بتفاؤل وحماس رفع الثوار سقفه، بدون أن يعمدوا الى عدم نسيان جذوره الضّاربة في ذاكرة وهواجس وحاضر سُنّة طرابلس، لا سيّما الفقراء منهم.

إذ ثمّة ما يُعرف بـ"السرعة الروائيّة" أي الوقت الّذي يستغرقه أحد المَشاهد. في رواية طرابلس، تقاس هذه السرعة بشهرَي انتفاضة، مقابل أكثر من أربعة عقود من الحرمان المزمن الّذي يمتطيه الرأسمال السياسي في المدينة عازفًا على وتر الوجع السّني، تارة من البوابة السوريّة وتارة من بوابة الميثاقية ومؤخرًا عبر استثارة العواطف للالتفاف حول الحريريّة السياسية الضعيفة والمستضعفة والقابضة على سنية الصوت السياسي.

في هذه الاستثارة يقتضي التنويه: سنّة طرابلس ليسوا غرائزيين، سنّة طرابلس عاطفيّون.

فإن صحّ الحديث عن غريزة، ينبغي القول أنّ غريزة حرّكت إنتفاضة الطرابلسيين وأدخلتها المشروع الوطني، نعني بها غريزة الحياة، أي حاجة كلّ إنسان للمأكل والمشرب والشعور بالأمان في لبنان يضمن لهم هذه البديهيات.

تجديد "لحظة" الوجع السنّيّ

إنّما اليوم، تتنازع طرابلس هذه الغريزة "البنّاءة" وأخرى هدّامة، من منبت وجوديّ أعوج كرّسه وربّما أنبته حظّها العاثر (والوافر إن شِيءَ لها) بالتجاور مع سوريا وتولّيها سنّيّة الصراعات ضدّ رموزها وحلفائها وممثّليها ورفات وصايتها. صحيح أنّ الأصوات السنّيّة اليوم لم تتطرق إلى شأن سوريّ، لكنّها تلتفّ حول الشّخصيّة الّتي بنت قيادتها السنية المناقضة للسوري لحظة اغتيال رفيق الحريري. الحريري الابن الّذي استنزف هذا الخطاب في انتخابات 2018 بانسلاخ عن الواقع يلامس الكاريكاتورية، نجح رغم انقضاء زمن أو لحظة (Momentum )خطابه حول السنية المضطهدة، بتحصيل الغالبية الكاسحة من التمثيل السنيّ، مع ما ينطوي بنفس الكاريكاتورية في تسعمائة ألف وظيفة وعدت بها نائبته. ثم يستفيق مجددًا هذا الشعور بالاضطهاد منذ ترؤس حسان دياب الحكومة. فهذا الموقع الّذي عرف تغيّرات كثيرة في اعتكاف الحريري وإحراج الصفدي، لم يوقظ السنّيّة الرافضة سوى حين دخله رئيس أيّده حليف سوريا الشيعي.

إن الصّوت الشّيعي بما يتضمّن ميليشياويّته المناهضة للانتفاضة، هدّد سنّية الشّارع، حين تدخّل بصراحة في أحد منتجات الانتفاضة الذي تجسده رئاسة الحكومة المحرّرة من وجه قديم. حالٌ قد ترقى الى ديناميّة عامّة شخّصها أمين معلوف في "الهويات القاتلة"، حين عدّد مكوّنات الهويّة لدى الجماعات، إلّا أنها تتمسّك وقد تختزل كلّ هويّتها بمكوّن واحد- سنّي في حال طرابلس- حينما تشعر بتهديد لها، وقد تخوض حروبًا لتثبيت هذا المكوّن.

مشهديّة مقلقة عاشتها طرابلس في الأسبوع الأخير، من قنابل صوتيّة ورشقات ناريّة أوقدت ذكريات الليالي السوداء التي تحركها غرف سوداء بين جبل محسن والتبانة، وتشويه الرّفض المطلق لرموز السّلطة "كلن يعني كلن"، حين توجّه معتصمون الى منزلي النائبين فيصل كرامي وجهاد الصمد حصرًا، فيما احتشد قبل أسبوع فقط، عشرات المعتصمين في زفّة هجائية أمام منزل كل نائب ورموه بالنفايات. وكذلك انطلقت مسيرة في التّبانة تخوّن رئيس حدي القوات اللبنانية سمير جعجع لأنّه لم يساند الحريري في هذه المرحلة. والمشهد المفوّه جدًا إن بمعناه المباشر أو المجازي، يتمثّل بتغذية ساحة الثورة الاثنين الفائت

بـ1000 صفيحة وزّعها حسام مراد الملقّب بـ"الختيار" وشباب الختيار الّذين كانوا ولا يزالون وقودًا سنيّاً ينشط في أحياء طرابلس الشعبية من خان العسكر وجواره. فـ"طبخة" ساحة النّور تبدّلت بعدما تولّتها لأسابيع أمّهات وشابات متطوّعات في خيمة "مطبخ الثّورة"، يقدّمن وجبات يومية مجانية للثوار. لكن مطبخ الثّورة اخترقته أصابع طائفية، في وقت شائك، لتحرق الطّبخة.

مؤشّر خطير تظهره نفس الخزعة الثورية- أي ساحة النّور، في استعمال معاكس لمدماك "كلن يعني كلن". فأسفل مبنى الغندور الذي تحوّل في أيام لمعلم ثوري وطني، نصب أهالي الموقوفين الاسلاميين منذ بداية الثورة خيمة تطالب بمحاكمة الموقوفين الاسلاميين أملاً بإخلاء سبيل من تثبت براءته. حينذاك، تنكّهت الانتفاضة في طرابلس بمطلب حقوقي محقّ أيّده النّشطاء، وجدّدوا تأييده حين تصدّى أهالي الموقوفين لمشروع العفو العام. أما اليوم، ارتفعت أسفل المبنى يافطة  جديدة نقيضة للموقف الأول جاء فيها "العفو العام الشامل مطلب الأحرار... كلن كلن السجناء برا كلن كلن"! إنّ مزاج الديغاجيّة في فعل "dégage" أي "إرحل" الذي جَوهَر النموذج التونسي، هو المفتاح الذي ضمّن لبنان في ثورة الشعوب العربية، إنما بصيغته اللبنانية المطلقة (لأنّ نظام لبنان قائم على منظومة متشعبة) في "كلّن يعني كلّن". في طرابلس، تحاول السنّيّة السياسية مصادرة شعار الانتفاضة "كلن يعني كلن" في ساحة الانتفاضة، كي تخدم ما يقارع الانتفاضة في صميمها اي خدمة للطائفية. ولم يردع هذه السنّيّة الحيّز المكاني للانتفاضة، بل على الأغلب جعلها تختلق حالة من التّحدي ورغبة بفرض الوجود من خلال رفعها هذا الشعار في ساحة النور.

تنظيم الوجع

ولكن، هذا الواقع مرشّح أيضًا لقراءة إيجابيّة. ربّما ولعلّ هذا الصعود للسنّيّة ضوء أحمر ينبغي على الثّوار أن يستجيبوا له بمزيد من التّوحيد للجهود، وامتلاك أسماء بديلة عن الوجوه المرفوضة. نعم، يخشى اللبنانيون على انتفاضتهم ولكثرة خشيتهم، يلتزمون بحرفية ما يناقض تجربة الجوار وبالأخص السوري، بحيث شكّلت كلمة "تنسيقية" فوبيا جماعية للثوار، وكذلك رفضوا بصرامة أن تنشئ الثورة قيادة أو لجاناً تنزلق الى  تدجين الطبقة السياسية لها، وتحدث انقاسامات داخل القوى التغييرية.

لكنّه رفض يحتاج الى تأمّل.

إنّ القصّة الشخصية، لكل فقير بطرابلس ذات الغالبية السنية، ستجد ما قد يطابقها حرفياً لدى فقراء النبطية، وبيروت وجل الديب ولبنان بأسره. الحوار بات مُلحًّا من خلال ميسّرين- إبعادًا لشبح "القادة"- مثقفين وملهمين، يستبطنون أوجاعًا مشتركة فيؤسّسون لقصّة جماعية تستثمر هذا الوجع الغاضب في طاقة بنّاءة.

لم يكن خطاب الطّبقة النخبويّة والمثقفة كافيًا لاستمالة الطّبقة الأكثر فقرًا وتهميشّا والتي تشكل القاعدة الأقوى للانتفاضة ويشكّل وجودها الدّافع الأهم لوجود الانتفاضة. ينبغي اليوم إطلاق حوار بين هذين المكوّنين، يتمخضّ عن ألم مشترك يحرّكهما، وألّا يكتفي بعبوره للمستويات الثقافية والاجتماعية، بل أن يعبر المناطق بما تمثّله من تعدّدية طائفيّة. هذا الحوار بقي ضعيفًا داخل مكوّنات كلّ منطقة، وبين الثّوار عبر جميع المناطق.

تحتاج الانتفاضة الى إنتاج سرديّة مشتركة ترقى إلى ما يفوق الشعار، لتتصدّى بأدوات جديدة وخلّاقة للخطاب السني. لقد شهدت الولايات المتحدة ممارسات ناجحة لهذا النهج، طوّره البروفيسور مارشال غانز ضمن وحدة "التنظيم المجتمعي" في جامعة هارفرد، مستقيًا قصص النجاح من تجاربه وتجارب رفاقه الذين قادوا حركة الحقوق المدنية  بقيادة مارتن لوثر كينغ، ومن حركة العمال المزارعين المهاجرين في كاليفورنيا، وحملات مجتمعية أخرى للطبقات المهمشة، إلى أن نظّم من سرديات الفئات المهمشة الجهد الميداني لحملة أوباما الرئاسية الأولى التي تكللت بنجاحه.

الثوّار وكل ناشد للتغيير، يقع على عاتقه خلق مساحات جريئة للحديث والحوار وليس مجرّد مساحات آمنة في ساحات الثّورة، بل عليه دخول الأحياء المهمشة وإحداث ثورات فكرية في أزقتها استباقًا وتصحيحًا لما (قد) يقترفه التجييش الطائفي للقضاء على الانتفاضة.

ناهيك عن الفساد والضائقة المزمنة، ثمة أوجاع حديثة وجاهزة لإعادة تلحيم العقد الثوري. فهل بإمكان المستشفيات أن تحصي كم مواطناً انتحر مؤخرًا في طرابلس؟ وهلّا يخبرنا الاقتصاديّون كيف تأثّر رفع وليس ارتفاع سعر صرف الدولار على القدرة الشرائية للبناني؟ وكم لبنانيّاً يعاني ذلًا غير مسبوق أمام الصرافات الآلية وكونتوارات المصارف الّتي تحتجز أمواله- حقّه وكدّه وعريق الجبين!

في مقال سابق، شبّهنا طرابلس في المعادلة الثّوريّة بالحجر الأوّل في صفّ الدّومينو، إن وقع، وقعت تباعًا بقيّة الأحجار. وطليعيّة طرابلس تفرض عليها أن تتدارك اليوم انزلاق انتفاضتها نحو الفئوية، من أجل تصويب بوصلة الحراك برمّته. والبداية تأتي باستبطان الوجع، وجمعه، ليصير مشتركًا.

فهل فات الأوان على إنقاذ الانتفاضة؟ كلّا. بل آن أوان الإنقاذ، ومن طرابلس، ولكن بسرعة.

تعرفوا على فسحة "حشيشة قلبي" (Hachichit albe) المتخصّصة في الشاي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard