فوز جونسون مؤشّر إلى فوز ترامب في 2020؟

15 كانون الأول 2019 | 10:27

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على هامش أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، 24 أيلول 2019 - "أ ب"

"احتفل يا بوريس!" كانت دعوة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب التي وجّهها إلى رئيس الوزراء البريطانيّ بوريس جونسون بمناسبة فوز حزبه في الانتخابات الأخيرة متوقّعة. وترامب نفسه في أجواء احتفاليّة على الأرجح. 

لم يصوّت ناخبو المملكة المتّحدة لصالح برامج اقتصاديّة في المقام الأوّل، بل لصالح خروج بلادهم من الاتّحاد الأوروبّيّ (بريكست). لم يخفِ ترامب يوماً إعجابه بمسار بريكست وكرّر هذا الأمر قبيل المشاركة في اجتماع لرؤساء دول حلف شمال الأطلسيّ بداية الشهر الحالي. وفي حزيران 2016، وصف التصويت ب "العظيم" و "التاريخيّ جدّاً"، رابطاً الحدث بالغضب العالميّ من سياسات اللجوء والهجرة. ومع توجّه بريطانيا للتفتيش عن اتّفاقات تجاريّة ثنائيّة، سيجد ترامب فرصة بارزة لحضّ لندن على التوصّل إليها مع واشنطن. لكنّ حماسة ترامب قد يغذّيها سبب آخر لا يتعلّق ببريكست وتداعياته بل بهدفه الأوّل: الفوز بولاية ثانية السنة المقبلة.

ثورة "غيّرت جدليّة التاريخ"

في العقود القليلة الماضية، ارتبطت المملكة المتّحدة والولايات المتّحدة بمسارات سياسيّة دوليّة مشتركة. وصلت العلاقات الثنائيّة إلى ذروتها في عهد رئيسة الوزراء البريطانيّة السابقة مارغريت تاتشر والرئيس الأسبق رونالد ريغان. على المستوى السياسيّ، آمنت الشخصيّتان بإمكانيّة سقوط الاتّحاد السوفياتيّ في وقت كانت قلّة تتجرّأ على طرح توقّع كهذا.

وقالت تاتشر لريغان إنّها تثق بالزعيم السوفياتيّ ميخائيل غورباتشيف قبل أن يلتقي الرئيسان لاحقاً سنة 1987. وساهمت علاقتها بريغان في دفع الولايات المتّحدة إلى الوقوف بجانب بلادها في حرب جزر الفوكلاند سنة 1982 ضدّ الأرجنتين. كذلك، حضّت تاتشر ريغان على إرسال قوّاته إلى الكويت لتحريرها من جيش صدّام حسين.


الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر - "أ ب"

تبرهن كلّ تلك التطوّرات المشتركات الفكريّة الكبيرة بين تاتشر وريغان. أعاد كلاهما تزخيم الفكر المحافظ والدفاع عن اقتصاد السوق الحرّة. في موقع "يو أس نيوز"، كتب مؤرّخ الشؤون الرئاسيّة الأميركيّة وكاتب سيرة ريغان كريغ شيرلي، أنّ الصداقة بينهما بدأت سنة 1975 حين اتّصل ريغان (كان حاكماً حينها) بتاتشر (مشرّعة في مجلس العموم) عندما كان "الوقت مظلماً لل (فكر) المحافظ الغربيّ." وفي تلك السنة، زارت تاتشر الولايات المتّحدة وألقت كلمة حثّت فيها واشنطن على ضرورة تحرير الأسواق.

كان ريغان ينادي تاتشر ب "ماغي" وهي تناديه ب "روني" نظراً إلى الروابط الشخصيّة إضافة إلى التقارب بينهما على صعيد المزاج والسلوك ورؤيتهما للعالم، كما أوضح كريغ. وتابع: "سيواصل الاثنان قيادة ثورة فكريّة غيّرت جدليّة التاريخ."

الفوز المقبل

اللافت في العلاقات الأميركيّة-البريطانيّة مدى تأثّر الولايات المتّحدة بأحداث المملكة المتّحدة في محطّتين بارزتين على الأقلّ. بعد سنة على استلام تاتشر لمنصبها، انتخبت الولايات المتّحدة ريغان رئيسها. وبعد خمسة أشهر على تصويت البريطانيّين لصالح بريكست انتخب الأميركيّون دونالد ترامب رئيساً لبلادهم. وكما أخفق المحلّلون في توقّع تصويت البريطانيّين لصالح بريكست، أخفقوا أيضاً في توقّع تصويت الأميركيّين لصالح ترامب.

انطلقت موجة "الشعبويّة" من الضفّة الشرقيّة للمحيط الأطلسيّ ووصلت إلى ضفّته الغربيّة. يصعب الجزم بأنّ التطوّرات البريطانيّة هي سبب للتطوّرات السياسيّة الأميركيّة. لكن بالحدّ الأدنى، تقدّم الأولى مؤشّراً إلى توجّهات سياسيّة كامنة عند الناخبين الغربيّين عموماً، والبريطانيّين-الأميركيّين خصوصاً. اليوم، وبعد التصويت لجونسون وإعادة التأكيد على خيار بريكست، هل بالإمكان الاستنتاج بأنّ تصويت الأميركيّين لصالح دونالد ترامب هو احتمال متزايد؟

تحت عنوان "بوريس جونسون والفوز المقبل لترامب في 2020"، نقل كاتب الرأي في صحيفة "نيويورك تايمس" روجر كوهين كيف قال له كبير المخطّطين الاستراتيجيّين السابق في البيت الأبيض ستيف بانون إنّ بريكست وترامب كانا ولا يزالان "مرتبطين بشكل لا يتجزّأ". بالنسبة إلى بانون: "يؤذن (فوز) جونسون بفوز كبير لترامب. شعوب الطبقة العاملة متعبة ‘ممّن هم أفضل منها‘ في نيويورك، لندن، بروكسل، يخبرونها كي يجب أن تعيش وماذا يجب أن تفعل."

"ما ضاع في النقاش"

ليس من الضروريّ أن تتطابق التطوّرات السياسيّة في كلّ من لندن وواشنطن. ثمّة من ينتقد هذه الفكرة باعتبارها تسلّط الضوء أساساً على زاوية واحدة من المقارنات. بروفسورة وأستاذة كرسي جان مونيه في كلّيّة الخدمة الدوليّة في الجامعة الأميركيّة (واشنطن) ميشالّ إيغان، تؤكّد ذلك ل "النهار":

"هؤلاء الذين يساوون انتصار بوريس جونسون بالسياسات الأميركيّة قد يرغبون بالتركيز على المسألة المهيمنة للبريكست كمسألة متميّزة للناخبين. ما ضاع في النقاش هو ارتفاع الدعم للبقاء في آيرلاندا الشماليّة واسكوتلندا والتأثير الطويل المدى على ‘الاتحاد‘".

وأضاءت إيغان على ظاهرتين أخريين خاصّتين بالمملكة المتّحدة: "لقد كان هنالك الكثير من المقارنات في الولايات المتّحدة اليوم لكن ربّما التوازي الأقرب هو اليسار في أوروبا المراقب لكوربين والفوضى الداخلية المحتملة التي ستنتج داخل حزب العمّال في المملكة المتّحدة."

ومع ذلك، هنالك تساؤلات عمّا إذا كان ما يشهده حزب العمّال يخصّ مناصريه وحركته السياسيّة فقط أم أنّ هزيمته تعدّ جزءاً من برنامج سياسيّ لم يعد يجذب الجماهير، بما فيها الطبقة العالمة، في الغرب.

أصرّ بانون على أنّ "كوربن البرنامج الاشتراكيّ، لا كوربن الرجل، قد سُحق. إذا لم يتعلّم الديموقراطيّون الدرس، فسيتوجّه ترامب إلى انتصار (يشبه انتصار) ريغان سنة 84".

وفيما لا يعتقد كوهين بأنّ فوز ترامب حتميّ، ذكر أنّ مؤشّرات فوزه موجودة. فالعمّال البريطانيّون دعموا ثريّاً تحدّث عن إطلاق العنان للقوّة البريطانيّة الكامنة، وفي الولايات المتّحدة صوّت العمّال الديموقراطيّون ل "ديمواغوجيّة" أميركا أوّلاً. وأضاف أنّه كما انقسمت أصوات مؤيّدي البقاء بين ثلاثة أحزاب في المملكة المتّحدة كذلك ثمّة انقسام في الحزب الديموقراطيّ الذي لن يتمكّن من الفوز إذا اتّجه يساراً كما فعل حزب "العمّال".


"الخاسر"

لكنّ التوازي غير مكتمل كما توضح إيغان ل "النهار": "الخاسر (في المملكة المتّحدة) قد يكون البرلمان الذي برز خلال السنوات الثلاث الماضية في بريكست بينما لن ترى الولايات المتّحدة تقلّصاً في قوّة الكونغرس."

لا يمكن القفز فوق معطيات كثيرة داخليّة وخارجيّة أخرى تحدّد نتائج الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، منها ما تكشفّ ومنها ما يمكن أن تخبّئه الأشهر المقبلة. لكن في ما يخصّ التطوّرات الانتخابيّة الأخيرة، ليس بالمقدور غضّ النظر عن المقارنات التاريخيّة. حتى حجم الانتصار الذي حقّقه جونسون هو الأكبر منذ عهد تاتشر. على أيّ حال، سيكون لتشرين الثاني 2020 حكمه الخاص بشأن اكتمال تلك المقارنات من عدمه.

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard