كَن لوتش: ضرورة التصدّي للنظام العالمي لم تكن يوماً أكثر الحاحاً

13 كانون الأول 2019 | 13:17

المصدر: "النهار"

كَن لوتش في ليون (هوفيك حبشيان).

بالقطار السريع جاء كَن لوتش إلى ليون. "وفي الدرجة الثانية"، كما أوضح تييري فريمو قبل ان يضيف: "فعل هذا انسجاماً مع اقتناعاته". فالمخرج البريطاني الذي حلّ ضيفاً على الدورة العاشرة من مهرجان لوميير السينمائي (تشرين الأول ٢٠١٩) يسعى إلى إحداث تطابق بين ما يصوّره وما يُريه في أفلامه والنحو الذي يعيش فيه في الواقع. حتى التصفيق لا يحبّذه كثيراً. إن طال، قاطعه. بحركة يد يدعو المصفقّين إلى التوقّف.

جاء لوتش متأبطاً الاعتذار. لم يُرد التحدّث عن السينما. السينما لا تعنيه في هذه الأوقات العصيبة التي يمر بها العالم. لا تقدّم علاجاً. لا تملك عصا سحرية. كلّ الأجوبة التي يبحث عنها موجودة في العمل النضالي والسياسي المباشر. العالم مكان بشع. يجب التحرك فوراً لتغييره. الزمن ليس للأفلام ودروس الاخراج. هذا كله شأن ثانوي الآن.

"عالمنا في خطر كبير حالياً"، يردد المخرج الكبير (٨٣ عاماً) الذي قدّم في ليون أحدث أفلامه، "نأسف لم نجدكم". النظام الاقتصادي العالمي دائماً في مرصاد لوتش: "ونحن نشاهد هذا النظام ينهار كما حصل قبل عقود، نشهد أيضاً صعود اليمين الأقصى. هذا اليمين يزداد قوةً عندما يعتري الخوف الناس. يخافون على وظائفهم، وعلى أمنهم، ويخافون من انهيار كلّ قيم المجتمع. من هذا الخوف، يستمدّون حلولاً تبسيطية. هكذا يولد اليمين المتطرف. علينا ان نحاربه بكلّ الوسائل الممكنة. ولكن، يجب ان نفهم أولاً مسببات ما يحلّ بنا. هذه من أصعب المهمّات. حذار الحلول الخاطئة. فهي تأتي عندما نحاول ألّا نفهم. الاقتصاد الحر والرأسمالية لم يأتيا بسوى البطالة والفقر وانعدام الأمن. علينا ان نفهم من أين يأتي هذا، فننظّم أنفسنا سياسياً، وربما سينمائياً. ضرورة التصدّي إلى النظام العالمي لم تكن يوماً أكثر الحاحاً. يجب ان نفهم أننا كثر، وهم قلّة".

لوتش، الرجل الغاضب دائماً (هوفيك حبشيان).

ولكن، كيف أصبح لوتش مخرجاً يسارياً ملتزماً في حال من الغضب الدائم؟ يروي: "كنت محظوظاً أنني عملتُ في التلفزيون على إخراج أفلام روائية معاصرة. تعاونتُ مع كتّاب سيناريو ومنتجين كانوا ملتزمين سياسياً. كان زمناً مسيساً جداً (منتصف الستينات). التقيتُ بالكثير من الناس وشهدتُ كيف يدور العالم. كان زمناً مصيرياً لجيلنا. كان "سكسيّاً” ان تكون يسارياً. أنا شخصياً، لم أستطع استغلالها كثيراً، ولكن غيري أفاد (ضحك). الحقيقة التي تعلمناها والتي أصبحت أكثر وضوحاً مع الزمن، وهي حقيقة بسيطة جداً: كل مجتمع منقسم طبقتين: الأولى تستغل الثانية. تراها بوضوح شديد في أيامنا هذه. وكلما استحوذت الشركات المتعددة الجنسية على حيز أكبر في مجتمعنا، تراجع مستوى العدالة الاجتماعية وازدادت الهوة بين الغني والفقير. نرى اليوم أعداداً من الناس الجياع لم نكن نرى مثلهم قبل خمسين عاماً. المراكز التي توزّع الطعام على الفقراء ازداد عددها في نسبة ١٨ في المئة العام الماضي. أكثر من مليوني وجبة طعام وُزِّعت. ربعها للأطفال. فكّر ماذا يعني هذا بالنسبة إلى المجتمع، وبالنسبة إلى اليمين الذي سيأتي ويقول لك: ها، يعاملونك بشكل سيئ؟ اذاً، القِ اللوم على المهاجرين. هناك ناس يعتمدون على المساعدات الاجتماعية ليصمدوا، ونرى هذا في "أنا، دانيال بلايك". نراهم يغرقون في الاجراءات البيروقراطية والصعوبات التي تعوق الحصول على المال. هذا قرار استراتيجي من الحكومة التي تعاقب الناس على فقرهم. فاذا عاقبهم، فسيقبلون بأي عمل، مهما تكن ظروفه. هذه دعوة صريحة موجهة إلى أرباب العمل السيئين للاستعانة باليد العاملة الرخيصة، لأن البديل المتوافر أمام العامل هو الجوع".

في معرض الكلام عن النضال، يجد فريمو فرصة سانحة للتذكير بأن لوتش أنجز أيضاً أفلام حبّ. هناك فعل التزام واضح يعبر مسيرته، ولكن يحصل هذا من خلال الامعان في تفاصيل الحياة اليومية. كما تقول احدى شخصيات فيلم من أفلامه: "السعادة تُصنَع". الجملة التي يردّ عليها لوتش بالقول: "على الأفلام ان تحترم التعقيد. الأفلام الروائية التي هي بروباغندا ليست أفلاماً جيدة. علينا ان نحتفي بالحياة، بالعلاقات بين البشر، بمتعة العيش والألم والحبّ. مدى تعقيد العلاقات الإنسانية ضروري جداً لأيّ عمل فنّي. حياتنا كلها تجري في سياق. وما السياق سوى الوضع الاجتماعي الذي نحن فيه. الخيارات المتوافرة أمامنا هي التي تحدّد أشياء كثيرة في حياتنا. هناك علاقة، تشبه العلاقة التي تربط حبل السرة بالطفل، بين الفرح والتعاسة والصعوبات التي نواجهها في الحياة من جانب، والوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي نحن فيه من جانب آخر. لا يمكن قطع هذا الحبل".

حشد لم يكتفِ باللقاء معه (هوفيك حبشيان).

يروي لوتش انه، بعد فيلمه "أنا، دانيال بلايك" الذي فاز عنه بـ"السعفة الذهب" في كانّ العام ٢٠١٦، السيناريست بول لافرتي وهو، زارا مركزاً في لندن لتوزيع الطعام على المحتاجين. ما شكّل صدمة له هناك ان الناس الذين كانوا يأتون إلى المركز ناس لديهم وظائفهم. كان هؤلاء عمّالاً فقراء. لا يفترشون الأرصفة للنوم، ولكن لا يكسبون ما يكفي من المال لشراء الطعام. أحياناً، كانوا يشترون الطعام لأولادهم ويحرمون أنفسهم منه. ثم، بحثنا في الموضوع، فاكتشفنا ان ثلثي الوظائف في بريطانيا في السنين العشر الأخيرة هي توظيفات بدائية، لا تضمن للعامل ان يحقق أي مدخول. قد يعمل اليوم ويصبح عاطلاً عن العمل غداً. كثر من هؤلاء يعانون الجوع. فقررنا انه يجب ان نروي قصّتهم. هذه الحالة بدأت في عهد مارغريت تاتشر التي دمّرت دور النقابات وفتحت المجال للمشغّلين لقضم حقوق العمّال. العمل اليوم أصبح كالحنفية، هم الذين يقررون فتحها أو اقفالها".

ولكن ألا يتحمّل اليسار، المتمثّل في توني بلير (عضو حزب العمّال آنذاك) مسؤولية نجاح مخطط تاتشر، بسبب عدم تقديم أي برنامج بديل؟ هذا سؤال يطرحه فريمو على ضيفه. لا ينكر لوتش أهمية هذه النقطة، ويروي قول تاتشر عن بلير بأنه أعظم اختراعاتها وأبرز انتصاراتها. "حتى لو لم تخترعه، كان جاء في أي حال ليدع الطبقة العاملة تحلّ مشكلة الرأسمالية. هنا يجب ان نتذكّر كلام لينين: "الطبقة الحاكمة يمكن ان تنتصر على أي أزمة ما دام العمّال هم الذين يدفعون الثمن". هذه هي النقطة المشتركة بين تاتشر وبلير. بلير أضاف إلى تاتشر حرباً غير مشروعة قتلت ربما مليون شخص وزعزعت استقرار منطقة كاملة. بلير وكلّ جماعته يجب ان يقفوا في محكمة لاهاي كمجرمي حرب. لا يزال التلفزيون البريطاني يستضيفه ليسأل عن رأيه في الشأن السياسي. ولا يزال مادة اعجاب للصحافة اليمينية. والحرب على العراق لم تكن حرباً على العراق فحسب بل كانت حرباً طبقية. هذه الحرب ساهمت في تكريس الخصخصة واضعاف النقابات وتشجيع الرأسمالية على استغلال العمّال".

كيف ينظر لوتش إلى البركزيت، التصويت الشعبي على الخروج من الإتحاد الأوروبي الذي جرى في العام ٢٠١٦؟ "البركزيت مجرد مضيعة وقت. المشكلات الكبيرة هي هي سواء كنّا في الإتحاد الأوروبي أو خارجه. والمشكلة ان شخصا مثل بوريس جونسون هو رئيس حكومتنا، اذ ان المشكلات تزداد معه. هناك في المقابل يساريون يريدون الخروج من أوروبا لأن الإتحاد الأوروبي قوامه السوق الحرة ولديه قوانين ضد دعم الحكومات للصناعات. ولكن تم تجاهل هذا الرأي في السنوات الماضية. في المقابل، هناك يساريون صوّتوا للبقاء في الإتحاد الأوروبي ومحاولة اصلاحه. (…) الأمل الوحيد هو ان يتصدى الناس لما يعيشونه. لكن وسائل الإعلام تفعل المستحيل لتدمير هذا النضال. لا تسمع عن هذه الاضرابات قط. لا تذكرها في نشرات الأخبار. لم نكن نعلم أي شيء عن الاضراب في فرنسا، وفي فرنسا لم يسمعوا عن اضرابنا في بريطانيا. هم أقوياء ما داموا قادرين على تقسيمنا. لذلك، يجب ان نكون أقوى في العلاقات العامة. هذا يساعد العمّال المضربين في بلدان مختلفة لمعرفة انهم يناضلون من أجل القضايا نفسها. ما نعيشه ليس حتمية. الـ"بي بي سي" تتحكّم بها الحكومة وهي التي تقوم بالتعيينات داخلها. الصحافة تمتلكها تعاونيات دولية كبرى. وهي التي تملك الكلمة الفصل في أي نقاش شعبي. اذا أردنا تغيير هذا كله، فعلينا تغيير بنية المجتمع بأكمله. لن يتم تسليمنا هذه السلطة. هناك معركة يجب ان نربحها. أوكي، يجب ان نقوم بخطوات ديموقراطية. لدينا حزب يساري كبير، والانتخابات البريطانية مقبلة. ولكن الهجوم على اليسار بدأ من الآن. هذا الصباح هوجم جريمي كوربن واتُهم بالعنصرية، رغم انه رجل نزيه وصاحب مبادئ. الاتهامات جملة أكاذيب، ولكن لم يُسمَح لأحد بالرد. هذا شيء غاية في الخطورة. سيفعلون كلّ شيء لمنع اليسار من الوصول إلى السلطة. فاذا ربحنا الانتخابات البريطانية في الأشهر المقبلة فسينال كلّ عامل حقوقه منذ اليوم الأول. تغيير كبير سيحدث".

ختاماً، يوافق لوتش على الحديث عن السينما قليلاً. يقول ان كلّ إنسان يترعرع في زمن معين وبيئة معينة يتأثر تالياً بهما. لذلك، كلّ جيل ينجز أفلامه ويروي حكاياته الخاصة. ولكن، في رأيه، ان السينمائيين في معظم الأحيان لا يختارون الأفلام التي ينجزونها. المستثمرون هم الذين يختارونها. كذلك الاستوديوات وأصحاب الصالات هم الذين يقررون أي فيلم يجب ان نشاهده. المخرجون الشباب الذين باتوا في منتصف أعمارهم مهمومون جداً بتطور المجتمع والصراع الطبقي، ولكن يصعب عليهم إيجاد المال لتحقيق الأفلام. أما هو وقد بات في الثالثة والثمانين، فيذكّره فريمو بأنه أوهمنا في مرحلة بأن "أنا، دانيال بلايك" سيكون فيلمه الأخير وسيختم به مسيرته التي انطلقت قبل نحو نصف قرن. فما الذي أعاده إلى خلف الكاميرا مع "نأسف لم نجدكم"؟ "أنجزتُ فيلماً واحداً اضافياً لأنه كان ممكناً انجازه. عندما تبلغ سناً معينة تتعامل مع عملك المقبل كما يفعل لاعب الكرة مع مباراته المقبلة".

تعرفوا على فسحة "حشيشة قلبي" (Hachichit albe) المتخصّصة في الشاي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard