مسلسل جديد عن خالد بن الوليد يثير جدلاً واسعاً في مصر: "قد يغذي العنف ويمجد الغزوات والقتل"

9 كانون الأول 2019 | 12:35

المصدر: "النهار"

لوحة بعنوان "خالد بن الوليد" الفنان الفرنسي بول غوستاف دور سنة 1878.

أثار الإعلان عن إنتاج مسلسل تلفزيوني يروي سيرة الصحابي خالد بن الوليد، حالة من الجدل في مصر على مدار الأيام الماضية. وابن الوليد هو أحد أهم القادة العسكريين في عهد النبي محمد وخليفته أبو بكر الصديق، وقد خاض العديد من الغزوات الناجحة، لكنه من ناحية أخرى عُزل على يد عمرو بن الخطاب (الفاروق) فور توليه الخلافة بعد وفاة أبي بكر.

ويرى المعارضون لإنتاج المسلسل أنه قد يغذي العنف ويمجد الغزوات والقتل ويدعم فكرة إعادة الخلافة التي تستند إليها التنظيمات الإسلامية المتطرفة في تبرير عملياتها المسلحة، فيما يرى مؤيدو إنتاجه أنه جزء من وقائع التاريخ، وهي وقائع غير مقدسة، وأن الحديث يجب أن ينصبّ على كيفية التناول والشفافية في عرض المعلومات، وليس تقديم المسلسل أم لا.

ويعيد الجدل الحالي إلى الذاكرة سجالات شهدتها الأوساط الدينية والثقافية في مصر في العام 2006 مع الإعلان عن مسلسل سوري عن الصحابي ذاته، وكان سبب الجدل في حينه تحريم الأزهر لتجسيد الصحابة في الأعمال الفنية، أما السجالات الحالية فتدور حول مواقف وروايات تتناولها كتب التراث الإسلامي.

وتحيط هذه الروايات سيرة بن الوليد بعلامات استفهام عدة ومواقف مثيرة للجدل وغير محسومة، فإلى جانب معلومات عن قتله قرابة 400 ألف شخص من غير المسلمين في معارك خاضها مع جيشه خلال 14 شهرا فقط، فإنها تشير إلى قتل العشرات من بني جذيمة الذين أرسله إليهم النبي للدعوة لا للقتال، وذلك لثأر قديم بينه وبينهم يعود لما قبل دخوله الإسلام.

ومن بين أكثر ما يثار من الخلافات حول الصحابي هو قتله مالك بن نويرة الذي كان النبي يستعمله لجمع الزكاة في قومه (بنو تميم) بعدما اتهمه بن الوليد بأنه مرتد، ثم سبى زوجته ليلى بنت سنان بعد قتله وتزوجها، وهي واقعة غضب منها عمرو بن الخطاب وأنكرها عليه أبو قتادة الأنصاري الذي شهد بأن مالكاً أقام الصلاة ولم يكن مرتداً.

المعالجة الدرامية أولاً

يقول الناقد الفني طارق الشناوي لـ"النهار": "إن الدرامة شيء، والتقويم التاريخي أمر آخر. خالد بن الوليد شخصية ثرية جدا من الناحية الدرامية، وقد انتشر أنه لقب بـ(سيف الله المسلول)، لذا فتناوله في عمل درامي شيء لا اعتراض عليه من حيث المبدأ".

والسؤال الأهم من وجهة نظر أستاذ مادة النقد الفني بكلية الإعلام بجامعة القاهرة هو: "من أي منطلق سوف يتم تقديم بن الوليد، هل سوف يقدم كغازٍ؟ أم سيقدم كمدافع عن الإسلام؟ هل سوف يتم تناول شخصيته كبشر بكل ما يحمله من مواطن قوة ونقاط ضعف؟ على سبيل المثال تنقل لنا الراويات أنه كان كثير الزواج، هل سيتطرق العمل إلى هذا؟ هل سوف يتناول المخالفة التي ارتكبها؟".

"الضعف البشري هو الدراما، وليس القوة، وهذا عكس ما يتصور الكثيرون" يقول الشناوي، "نحن تعودنا أن نقدم القوة، وهذا هو الفارق بين مسلسل أم كلثوم ومسلسل أسمهان على سبيل المثال، المخرج نبيل المالح رحمه الله، تناول جوانب الضعف في أسمهان مثل إدمانها الخمر، وعدم التزامها، وغير ذلك، قدمها كإنسان طبيعي، في حين عندما كتب محفوظ عبد الرحمن عن أم كلثوم ركز على جوانب القوة فقط، وهذا يعود لاختلاف الثقافة، فالكاتب يخاف أن يرفض الجمهور المصري نقاط الضعف في شخصية شهيرة أحبها".

ويضيف الناقد الفني: "أنا لست ضد أن يقدم خالد بن الوليد في مسلسل، وقد سبق أن قدّم في عمل تلفزيوني قام به المخرج الأردني محمد عزيزية، وكان بطله باسم ياخور وهو مسيحي، بالمناسبة، وهذا شيء إيجابي يشير إلى التسامح والمحبة، وقد كان من أفضل المسلسلات التلفزيونية".

ويرى الشناوي أنّ "زاوية الرؤية والتناول هي التي سوف تحدد قيمة العمل الدرامي، يجب ألا نحكم مسبقا على المسلسل قبل خروجه إلى النور، ونصادر حق الإنتاج، وهذا يجعل مهمة المعالجة مضاعفة، حتى لا يساء فهم الأفكار والرسائل التي يقدمها العمل".

التاريخ ليس مقدساً

ويقول الخبير في الحركات الإسلامية والإرهاب الدولي منير أديب لـ"النهار": "لا بد من أن نعرض التاريخ بما له وما عليه، فالتاريخ في حد ذاته سواء كان فرعونيا أو إسلاميا أو غير ذلك ليس مقدساً. وحين نقدم التاريخ الإسلامي، يجب ألا يكون من باب التفاخر، أو من باب التشجيع على تكرار ما كان به، ولكن أيضا ليس من باب التجريح والتشويه. على سبيل المثال حين أقدّم جزءاً من تاريخ المماليك، يجب أن أعرضه كما هو، ولا أجمّله وكأنني أقول افعلوا كالمماليك".

ويرى أديب أن مثل مسلسل بن الوليد "لن يشجع الجماعات المتطرفة على المزيد من العنف، فعرض التاريخ بصورة شفافة بكل جوانبه أمر جيد، الخطأ يحدث حين نتلاعب به، سواء بتشويه حقائقه، أو من تمجيده شخوصه وحض الناس على تقليدهم".

ويضيف الخبير في الحركات الإسلامية: "إن التاريخ ليس مقدساً، المقدس فقط هو النص الديني، بالنسبة لنا هو القرآن وما صح من أحاديث النبي (ص)، وأنا أتعامل مع الصحابة وفق ما جاء عنهم في القرآن، وما صح من الأحاديث النبوية. وفي القرآن عاتب الله الرسول نفسه، وخرج النبي للناس بعتاب الله له، ولم يخفه، وظلت هذه الآية قرآنا نتلوه. لكن ما اعترض عليه هو الطعن والنقد المتعمد في الصحابة في حق الصحابة".

والإسلام، بحسب رأي أديب، "ليس فقط سيفا وغزوات، وهناك علماء ساهموا في تقديم الكثير للبشرية، ومن وجهة نظري فإنه من الأفضل ألا يتم الحديث عن الغزوات والسيف، لكن إذا كان القائمون على الأعمال الدرامية يرغبون في فعل هذا، فلا مانع، لكن عليهم أن يعرضوا التاريخ كما كان".

"سيف وحصان"

طالب الكاتب الصحافي إبرهيم عيسى بوقف المسلسل، وقال في تغريدة له بموقع "تويتر"، قبل أيام: "أرجو أن تتراجع شركة الإنتاج المصرية فورا عن إنتاج مسلسل خالد بن الوليد. هذا ليس وقت الغزوات والفتوحات واستعادة الخلافة، بل وقت أن يعرف الناس تاريخ مصر في مواجهة المتاجرين بالدين وبالخلافة".

وتساءل الشاعر جمال بخيت: "لماذا يكون المسلسل التاريخي المصري عن خالد بن الوليد، أو هارون الرشيد؟ ألا يصلح أن يكون عن أحمس، أو رمسيس الثاني، أو حتشبسوت، أو تحتمس الثالث، أو حور محب. دعك من التاريخ القديم، ألا يصلح أن يكون عن الجبرتي، أو الطهطاوي، أو احمد عرابي، أو سعد زغلول، أو طلعت حرب؟".

وأضاف: "إذا كنت تحب التاريخ الإسلامي، فما رأيك في ابن سينا (أبو الطب)، أو الحسن ابن الهيثم (البصريات)، أو الخوارزمي (الجبر)، أو ابن خلدون (الاجتماع)، أو ابو بكر الرازي، أو جابر بن حيان أو ابن رشد؟"

واختتم بخيت تدوينته في "فايسبوك" قائلاً: "الغرب يخطف عقول الشباب بحروب الكواكب، ونحن حين قررنا عمل مسلسل تاريخي، نقوم بإخراج السيف والحربة والحصان من المخازن!". 

"Libanjus "تنافس أكبر الماركات العالمية بجودة منتجاتها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard