"قبيلة في إفريقيا تعتقد أنّ زعيمها الميّت ما زال يحكمها"؟ وما علاقة لبنان بها؟ FactCheck#

6 كانون الأول 2019 | 14:50

المصدر: "النهار"

  • هالة حمصي
  • المصدر: "النهار"

الصورة والمنشور المتنافلان على وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك).

جثة محنّطة في الصورة، في وضعية جلوس على ما يبدو، وكان أشخاص يحملونها. ما يُفترض مشاهدته هو "قبيلة في إفريقيا" يعتقد افرادها ان "زعيمهم الميت ما زال يحكمهم ويعطيهم النصائح ويدافع عنهم رغم أنه ميت"، وفقا للزعم. وهناك إضافة مثيرة للاهتمام: "يُقال بأن هذه القبيلة لديها جذور في لبنان"! FactCheck#

النتيجة: ما يزعمه المنشور خاطىء، لا سيما لجهة تحديد مكان التقاط الصورة والقصة الحقيقية وراءها. فالقبيلة ليست إفريقية، بل تعيش في #بابوا_غينيا_الجديدة بقارة أوقيانوسيا، وتعرف باسم #الأنغا. وما يشاهد في الصورة هو حمل #مومياء "مويمانغو"، وهو محارب وشامان والقائد السابق للقبيلة، لاعادتها الى موقعها عند تلة تشرف على بلدة كوكي، بعد ترميمها. ما يعتقده الانغا هو ان مومياوات اسلافهم "تحرس" بلدتهم، وهي "صلة جسدية بهم"، و"النظر إلى وجوه الأجداد يذكّرهم بالمعرفة والحكمة التي كانت لديهم". وبالتالي لا صحة للزعم انهم بعتقدون ان "زعيمهم الميت لا يزال يحكمهم". 

"النّهار" دقّقت من أجلكم 

الوقائع: الصورة مؤثرة. وفي الزعم الذي أُرفق بها، انها تظهر "قبيلة في إفريقيا يعتقدون ان زعيمهم الميت ما زال يحكمهم ويعطيهم النصائح ويدافع عنهم رغم أنه ميت. ويُقال بأن هذه القبيلة لديها جذور في لبنان"، وفقا لما جاء في حرفية الشرح المرفق بالصورة، من دون تدخّل. وقد تكثف تناقل الصورة والشرح المرفق على حسابات وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، في الأيام الاخيرة (هنا، وهنا على سبيل المثال). 

 التدقيق: 

-بحثا عن المنشور بواسطة كلمات المفاتيح، يتبين انه سبق ان تناقلته صفحات وحسابات عربية، مع الصورة ذاتها، عام 2018 (هنا، هنا، هنا، هنا، هنا، وهنا على سبيل المثال). وقد جاء في نسخته عام 2018 (بحرفيته من دون تدخل): "قبيلة في افريقيا يعتقدون ان زعيمهم الميت ما زال يحكمهم رغم انه لا يتكلم ولا يتحرك".  

المنشور انتعش مجددا، لا سيما في ت1 وت2 2019، ولكن بنسخة معدلة قليلا، بحيث استبدلت جملة "رغم انه لا يتكلم ولا يتحرك"، بـ"ما زال يعطيهم النصائح ويدافع عنهم رغم أنه ميت (هنا، وهنا). كذلك، اضيف "يُقال بأن هذه القبيلة لديها جذور في لبنان" (هنا، وهنا).   

*ما الحكاية الحقيقية وراء الصورة المتناقلة؟ 

-باستخدام البحث العكسي عن الصور، تقود الخيوط الى شرح موحّد أرفق بالصورة في مواقع غربيّة نشرتها عام 2010 (هنا، هنا، وهنا). وقد أورد موقع New Haven Register الشرح الآتي (تقرير في 31 آب 2010): 

 Koke villagers carry the mummy of Moimango, to his cliff-side niche after Ronald Beckett of Quinnipiac University and others examined and restored it. Moimango's son, Gemtasu, is at left in the foreground. The photo appears in the September issue of National Geographic. (Photo by Ulla Lohmann, courtesy National Geographic) 

قرويو كوكي يحملون مومياء مويمانغو إلى مكانه عند جانب الجرف، بعدما فحصها رونالد بيكيت من جامعة كوينيبياك وآخرون ورمموها. جيمتاسو، نجل مويمانغو، (نشاهده) الى اليسار في المقدمة. الصورة نشرت في عدد ناشيونال جيوغرافيك في ايلول (2010). تصوير أوللا لوهمان، بإذن من ناشيونال جيوغرافيك (ادناه الى اليمين). 

كذلك، أورت مجلة USA Today في كلام الصورة (تقرير في 13 ايلول 2010): المحطة الاخيرة لبيكيت: قرويون في بلدة كوكي في بابوا غينيا الجديدة يحملون مويمانغو الذي تم تحنيطه قبل نصف قرن، إلى مكانه عند جانب الجرف. ابنه (جاثماً) يأمل ان يتم تحنيطه هو ايضا. الصورة موقعة (الى اليمين) باسم أوللا لوهمان وناشيونال جيوغرافيك (ادناه الى اليسار). 

-بالفعل، نشرت مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" هذه الصورة في عددها الصادر في ايلول 2010 (هنا)، الصفحة 168- 169، في صدارة مقالة كتبها رونالد بيكيت بعنوان: Papua New Guinea- Mastering Mummy Science اي بابوا غينيا الجديدة- اتقان علم التحنيط. الصورة: أوللا لوهمان، والشرح الذي ارفق بها هو ذاته الذي نقلته USA Today يومذاك.

الصورة تنشرها ايضا ناشيونال جيوغرافيك ضمن مجموعة صور مؤرشفة في موقعها (هنا). وقد أوردت الشرح الآتي لها: عائلة تعيد مومياء تم ترميمها، الى الكهف اعلى القرية. المكان: منطقة اسكي، بلدة كوكي، مقاطعة موروبي، بابوا غينيا الجديدة. 

*ماذا يعني هذا؟ يعني ان "القبيلة"، كما جاء في المنشور، ليست إفريقية او في إفريقيا كما زعم. فبابوا غينيا الجديدة "تقع في قارة أوقيانوسيا، وتغطي مساحة 452,860 كيلومترًا مربعًا من الأراضي، و9,980 كيلومترًا مربعًا من المياه، مما يجعلها الدولة الـ55 الأكبر في العالم بمساحة إجمالية تبلغ 462،840 كيلومترا مربعا"، وفقا لموقع World Atlas. 

هذه الدولة الجزيرة تحتل "النصف الشرقي من جزيرة غينيا الجديدة، وتشمل العديد من الجزر البحرية"، وفقا للمصدر ذاته. "منذ 50 الفا الى 70 الف سنة، هاجرت الشعوب القديمة من جنوب شرق آسيا، وبدأت في تسوية الجزر". عاصمة بابوا غينيا الجديدة هي بورت مورسبي Port Moresby، و"تتقاسم حدودها البرية مع دولة واحدة فقط هي اندونيسيا". وما يجب معرفته ايضا هو ان سكان بابوا غينيا الجديدة "ينحدرون من الأسترونيين، أو من بلدان الجنوب الشرقي المجاورة، ومن الميلانيزيين، والفانواتو وجزر سليمان وفيجي". وتضم البلاد "مئات من القبائل أو الشعوب الأصلية".

Embed from Getty Images 

Embed from Getty Images 

Embed from Getty Images

-رغم تحديد مكان التقاط الصورة واسم مصوّرتها أوللا لوهمان، الا ان ناشيونال جيوغرافيك التي نشرت هذه اللقطة عام 2010، لم تحدد تاريخ التقاطها. لكن المؤكد انها التقطت قبل عام 2010، اذ أمكن ايجادها في عدد مجلة VSD الفرنسية، 22- 28 تشرين الأول 2008، ضمن مقالة عن المصورة لوهمان بكونها من "المصورين الاوائل الذين صوّروا تقاليد قبيلة الأنغا Anga" في بابوا غينيا الجديدة، على ما كتبت المجلة يومذاك. 

العدد تضمّه لوهمان الى أرشيفها الخاص على موقعها الالكتروني (هنا). في سيرتها الذاتية، "انها مصورة صحافية ألمانية وصانعة أفلام وثائقية، تعمل لمجلات وهيئات بث شهيرة، بينها National Geographic، GEO، BBC، Red Bull Media House, Stern View". وقد حققت اول اختراق لها عبر "قصة عن طقوس تحنيط غير معروفة في بابوا غينيا الجديدة"، تحديدا لدى قبيلة الأنغا في بلدة كوكي، "حيث عاشت اشهرا عدة معها". 

هناك، تأخذنا لوهمان الى عالم آخر، حيث "يعتقد افراد قبيلة الانغا أنه إذا دفنوا موتاهم، فإن الأرض ستشرب دماءهم، وأنها ستريد دائمًا المزيد، وأن حروبا ستقع"، على ما تنقل عنها مجلة VSD. وقد انتعش هذا الاعتقاد "عندما انتهت حياة جيمينا، حفيدة جيمتاسو، قائد الأنغا (يومذاك)، في شكل مفاجئ في ايار 2005 عندما كان عمرها 8 أو 9 سنوات". وقد تلقى القائد العجوز "الضربة كتحذير من الأسلاف المتروكين للنسيان". فقرر جمع كل شعبه لإقناعه "بإعادة التواصل مع تلك الطقوس التي، كما يعتقد، كانت تحميهم من سوء الحظ"، وذلك ابتداء من "ترميم المومياوات التي تأثرت بشدة بفعل الزمن والرطوبة". وأولاها مومياء والده، مويمانغو (الصورة المتناقلة)، الزعيم السابق للقرية، و"التي تستريح الى جانب مومياوات محاربين كبار آخرين في القبيلة- لأن وحدهم كانوا يستحقون هذا الشرف- في مكان يطل على القرية، وتحرسها ليلًا ونهارًا إلى الأبد"، وفقا لما تورد VSD. ومن اجل ترميمها، لجأ جيمتاسو الى "الأميركي رونالد بيكيت، أستاذ العلوم الطبية الحيوية في جامعة كوينيبياك بكونيتيكت". وقد جاء الى كوكي ليفحص المومياوات، بينها مومياء مويمانغو، من اجل المساعدة في ترميمها. وقد فعل.      

من معتقدات قبيلة الانغا ان مومياء مويمانغو "تواصل المراقبة وتحرس كوكي والقرويين"، وفقا لما يورد موقع New Haven Register. وينقل عن بيكيت إن "الشيء المذهل في مومياوات الأنغا هو أنها لا تزال جزءًا من حياة القرية، وليست قطعا أثرية قديمة كما هي الحال في مصر. في الواقع، لقد تعرفنا الى المومياوات كما لو كانت أشخاصاً أحياء".

ويضيف الموقع: "في الغرب، قد يصلي الناس لأحبائهم المتوفين، أو قد يزورون قبورهم ويتحدثون إليهم. والأنغا ليس لديهم مفهوم تقليدي للحياة الآخرة، ويعتقدون أن "ارواح امواتهم تجول حول الغابة، وربما عادت ولازمتهم قليلاً"، وفقا لبيكيت. وبالحفاظ على جسد الشخص المتوفى، "وإذا كان بإمكانهم رؤية الوجه، والتفاعل معه بهذا المعنى، فبالتالي لا تزال روحه معهم". 

تقنية التحنيط التي مارستها قبيلة الأنغا منذ قرون عدة فريدة جدا، وتعرف بـ"تدخين الجثث" smoked body. وما يسجله بيكيت في مدوناته (مقالته في ناشيونال جيوغرافيك، 2010) أنه في تلك القرية، "يوجد ارتباط جسدي وعاطفي وانساني فريد بالمومياوات". بعد ترميم مومياء مويمانغو، جاء ابنه غيمتاسو وأخذ "يفحصها. ثم بدأ يكلم والده بحماسة، قبل ان يجهش بالبكاء. وقد بكينا جميعا. هذه اللحظة ستبقى في قلبي الى الابد"، على قوله.  

ويوضح بيكيت، في بحث أعده مع اندرو نيسلون حول مومياوات الأنغا (هنا)، ان "الجثث المدخنة تجسد التقاليد المشتركة للمجتمع، وهي صلة جسدية بالأسلاف. وتبدو انها حاجة إلى النظر إلى وجه الأجداد، اذ يذكّرهم الوجه بالمعرفة التي لدى هؤلاء الأشخاص العظماء وحكمتهم. معرفة الأسلاف بالموارد الإقليمية والصيد والطقوس والتقاليد يُنظَر اليها انها في وجه أسلافهم. وفي وقت يؤمن الأنغا بالأشباح والأرواح، يبدو أن ممارستهم التحنيط منفصلة عن هذه المعتقدات في غياب الإيمان بالآخرة". ويلاحظ انه من خلال ممارسة التحنيط، يشعر "كبار السن في القبيلة بعلاقة روحية سحرية بأسلافهم"، ويرون في تلك المومياوات "علامة واضحة لحدود أرض أجدادهم". 

-وبعد كل هذا، هل ثمة حاجة الى الاجابة عن "القول بأن هذه القبيلة لديها جذور في لبنان"؟ تحاذق بهدف التصويب السياسي والسخرية. 

 النتيجة: ما يزعمه المنشور خاطىء. الصورة تتعلق بقبيلة الأنغا في بابوا غينيا الجديدة، في قارة أوقيانوسيا، وليس إفريقيا. وما يشاهد فيها هو اعادة مومياء مويمانغو، القائد السابق للقبيلة، الى موقعها في مكان مشرف على البلدة، بعد ترميمها. وبالنسبة الى الزعم ان القبيلة تعتقد ان "زعيمها الميت لا يزال يحكمها"، فإنه زعم خاطىء ايضا، ذلك ان ما يعتقده الانغا هو ان مومياوات اسلافهم "تحرس" بلدتهم، وهي "صلة جسدية بهم"، و"النظر إلى وجوه الأجداد يذكّرهم بالمعرفة والحكمة التي كانت لديهم".

-وهناك ايضا تكلمة للقصّة... للراغبين: 

جيمتاسو، نجل مويمانغو، والذي نشاهده جاثما في الصورة المتناقلة، حقّق حلمه بتحنيط جثته بعد وفاته (عام 2015)، على غرار والده والاسلاف، بالاسلوب الذي تناقلته قبيلته عبر القرون، من اجل "حماية أحبائه"، على ما تورد لوهمان في بوست في حسابها على انستغرام. "وفقًا لتقاليد قبيلة الأنغا، "أرواح الموتى تسكن الجسم المحنط. وبالتالي، ستحمي الأحياء دائمًا".

 

ولقراءة المزيد عن مومياوات الأنغا والطريقة التي تعتمدها القبيلة في التحنيط، الرجاء الضغط هنا. 

[email protected]




 


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard