الواقعية في الخطاب السياسي الفلسطيني

4 كانون الأول 2019 | 09:25

المصدر: النهار

ثمة حاجة ماسة إلى نسق سياسي جديد تحدد مساره قيادة سياسية جديدة منتخبة تمثّل جميع الفلسطينيين بدون استثناء

ثمة حاجة ماسة إلى نسق سياسي جديد تحدد مساره قيادة سياسية جديدة منتخبة تمثّل جميع الفلسطينيين بدون استثناء، وتحدد مرجعيتها السياسية بالثوابت الوطنية للقضية الفلسطينية وتلازم الحقوق الثابتة، وإعادة صياغة الاستراتيجية الفلسطينية الجديدة الكفيلة بانخراط كل الفلسطينيين فيها، وأن يتحوّلوا إلى لاعبين سياسيين مُنظمين يتصدرون المقاومة الوطنية والمجتمعية الفلسطينية.

إن الإنكار المتعمّد "للرسمية الفلسطينية" لآثار أوسلو ونتائجه التدميرية، فاقم المشكلات الناجمة عنه في الوقت الذي لم يحصل اية مراجعة نقدية له، فضلاً عن أن ذلك أفضى إلى تكلّس العقل السياسي الفلسطيني السائد، والذي كفّ عن البحث عن خيارات بديلة، ناهيك عن إشاعته البلبلة في إدراكات الفلسطينيين الجمعية بما فيها إدراكاتهم لمصيرهم الوطني المشترك ولعلاقتهم بقيادتهم السياسية والتمثيلية.

على الرغم من الإقرار الشعبي الفلسطيني مع مثقفيه بضعف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها ودخولها حالة "الموت السريري"، بيد أنهم لا زالوا يعتبرونها كياناً حيوياً ووطنياً، والمفتاح الرئيس لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني من جديد، لكن هذا الطموح لا يزال يصطدم بعبثية السياسات المنتهجة من القيادة الفلسطينية الحالية ونموذجها، وهو شكلٌ من أشكال السلطة المركزية "الأبوية"، يدور في فلكها شخص واحد أو فصيل سياسي واحد تساعده وتسانده شبكة من "المحسوبيات" والمنتفعين. هذا التمركز "السلطوي" أدى إلى فشل وتجميد كل المؤسسات الفلسطينية الحالية وكل الفاعلين السياسيين الفلسطينيين الآخرين وإقصائهم عمدًا، ما تسببَّ في إحداث هوة واسعة بين القيادة الفلسطينية الحالية والنخبة "المصلحجية" التي تدعمها من جهة، وبين سائر مكونات الشعب الفلسطيني وقواه الحية من جهة أخرى.

التجديد المؤسسي:

هذا النموذج للنظام السياسي الفلسطيني الحالي في أمسّ الحاجة إلى إصلاح وتجديد مؤسسي من خلال الفصل الكامل بين جميع السلطات: الوطنية التمثيلية عن الإدارية الخدماتية، أي فصل مؤسسات م.ت.ف عن السلطة الفلسطينية، لان أسلوب التهميش والدمج المسيس والواعي يخدم أجندات انتهازية للشريحة البيروقراطية السلطوية.

-هذا الفصل المؤسساتي يجب أن يعتمد على مبدأ اللامركزية في تجديد النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته، بعيداً عن سلطة الجغرافيا وسلطة الاحتواء المركزية، من خلال التركيز على المجتمعات المحلية والمدنية والأطر الجماهيرية الفلسطينية في الوطن والشتات، بانتخابات ديمقراطية حرة تعتمد مبدأ التعددية النسبية للجميع دون استثناء.

إن القضية الفلسطينية تمر الآن في أسوأ مرحلتها منذ نكبة فلسطين، وهذا لم يكن قدرًا ولا نتيجة المؤامرات والأخطار الخارجية فحسب، بل تتحمل القيادة السياسية الفلسطينية أولًا، وطرفا الانقسام الفلسطيني ثانيًا، وبقية القوى والنخب السياسية ثالثًا، المسؤولية عمّا وصلنا إليه وعن الأخطاء والخطايا والتنازلات والأوهام وحالة الانتظار وتقديس البقاء واحتلال "المواقع الثابتة" والعمل من دون رؤية استراتيجية ولا تخطيط ولا خطط ملموسة، وأيضاً المسؤولية عن الرهان على المتغيرات الإقليمية والدولية التي لن تأتي بالخير إذا لم نكن قادرين على توظيفها، وتغليب المصالح الفردية والعائلية والسلطوية الفصائلية على المصلحة الوطنية العامة.

السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير:

لقد كان قرار إنشاء سلطة الحكم الذاتي بعد اتفاقية أوسلو بمثابة عملية تحنيط لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، حيث احتلت المؤسسات الجديدة للسلطة هيئات المنظمة واحدة تلو الأخرى، وأصبحت سلطة الحكم الذاتي هي المرجعية الدولية بدلا منها، بحيث عُمِلَ على تغييب مؤسساتها عن العمل والظهور وقُلِّصت ميزانيتها حتى باتت كالشبح وبإرادة سياسية للمطبخ السلطوي.

في الوقت الذي يتبارى فيه الكل الفلسطيني وبكل أطيافه وقواه، بالتحرك فقط على هامش الصراع وثنائية السلطة وعدمية القضايا لطرفي الانقسام الفلسطيني، والتي باتت تشكل عبئاً ثقيلاً على الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، فتارة تنشغل الساحة الفلسطينية بقضية المصالحة بينهما، وتارة أخرى بقضية الانتخابات الفلسطينية وعلى منصات الإعلام فقط دون التركيز على آلياتها وترتيبها وأدوات استحقاقها، حتى أصبحت استحقاقاً أجوف وشعارا تكتيكياً شعبوياً لشريحة المنتفعين في السلطة.

ونحن على يقين تام أكثر من ذي قبل، وبغض النظر عن النوايا الحسنة التي كانت ولا زالت لأطياف من" المعارضة" الفلسطينية في نمط خطابها السياسي، واقع الحال وتعقيدات الحالة الفلسطينية وتدني مستوى السقف السياسي للقائمين على القرار الفلسطيني وامتيازات الشريحة السلطوية، جعل من شعار انهاء "الانقسام" وشعار "الوحدة الوطنية" وإعادة إحياء منظمة التحرير، كمن يجتر معزوفة موسيقية لا صدى لها ولا أثر عند الطرف الآخر، وهذه "المعزوفة" مع استحقاقات أوسلو الكارثي بالميدان، كادت أن تشكل مدخلاً للاعتراف بكافة الاتفاقات التي وقعتها المنظمة مع الكيان الإسرائيل، وما علينا فقط إلا أن نصطف كطابور هامشي في صفوف المعارضة والمراوحة في مواقعنا الثابتة، وأن نسجل للتاريخ موقفنا الإعلامي والأدبي واللفظي؟!!.

إن مخطط إلغاء منظمة التحرير الفلسطينية وثوابتها وإحلال سلطة الحكم الذاتي مكانها بنهج الرسمية الفلسطينية، بات عملياً في حكم المنتهي، وكل المحاولات لإعادة الروح والفاعلية لها باءت وستبوء بالفشل ومضيعة للوقت وهدر لتضحيات الشعب الفلسطيني امام تعنت وإصرار الشريحة الفلسطينية التي تهادت وانساقت مصالحها مع مصالح وجود الاحتلال الإسرائيلي.

الثابت والمتحول:

أطاح الشعب الفلسطيني في مسيرته الكفاحية التاريخية بكل الأطر القيادية التي فشلت في تحقيق ما نشأت من أجله، فقد تخلى عن الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني عندما لم تنجح في دحر العصابات الصهيونية. وبادر بالتخلي عن حكومة عموم فلسطين لفشلها في مقاومة ضم الضفة الغربية إلى الأردن واسترداد قطاع غزة من الإدارة المصرية.... فهل حان الوقت للعمل على تأسيس آلياتٍ وطنية أخرى بديلة تؤسس لبرنامج وطني يؤكد على الثوابت والقضية الوطنية وتلازم حقوقها الثابتة، آلية تتبنى المقاومة بكافة اشكالها كنمط للحياة، آلية نضالية شاملة لجميع النواحي السياسية والجماهيرية، آلية تتفاعل مع الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي الجديد وتتحرك في ثناياه وتصيغ التحالفات المبدئية بما يخدم الأهداف الوطنية والاستراتيجية الفلسطينية، آلية تعمل على استنهاض روح المقاومة وتستمد ثقتها ودعمها من الجماهير، الية تسعى الى تفكيك سياسات الاحتلال بدلاً من التعاون والتنسيق معها؟!.

الحقيقة الأكيدة هي أن "الرسمية الفلسطينية" لا زالت تستغل وطنية وعاطفية الخطاب السياسي لمجموع القوى الفلسطينية لتمرير أجندتها الانتهازية، وسيبقى مطلب إنهاء الانقسام وإحياء منظمة التحرير ومؤسساتها شعاراً طالما بقيت العقلية السياسية لثنائية السلطة الفلسطينية متكلسة، وهي تنتهج ذات السياسة التفريطية بالمشروع الوطني الفلسطيني. ولا بد من العمل والتحرر من نمطية المواقع الثابتة لمجموع القوى الوطنية الفلسطينية، وإيجاد آليات وطنية بديلة يساهم فيها كل الشعب الفلسطيني من خلال باكورة الحوارات الوطنية الجماهيرية القاعدية بمختلف أطيافها الاجتماعية والنقابية والمهنية والمدنية، وتحوز ثقة الشعب الفلسطيني وتحشر السلطويين والمنتفعين على هامش الحراك الوطني الفلسطيني.

ان تنفيذية منظمة التحرير"بحلتها الجديدة" أجبرت على هجر مكانتها السياسية بشكل "واع " بعد أن أصر رئيسها أن يحيلها إلى "لجنة استشارية" واجتماعاتها تسمى "تشاورية"؟! وبدون حضور رئيسها أحياناً، ما يشير الى عملية إضعاف لدورها ومكانتها، وخاصة أن كل ما يصدر عنها لا يمثل "قيمة سياسية" ولا يحمل صفة التنفيذ العملي، وبدأت تتصرف وكأنها هيئة ملحقة "بالمطبخ السياسي السلطوي".

إن الثابت في الحالة الفلسطينية هو القضية والحقوق الثابتة والتلازم بينهما، أما المتحوّل فهو الآليات والأدوات والأشكال الوطنية التي تخدم الثابت والدائم.

نكبة الجميزة كما يرويها أهلها: شهادات القهر والدم (فيديو)

نكبة الجميزة كما يرويها أهلها: شهادات القهر والدم


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard