أسرار السلطة وقوّة الثورة

2 كانون الأول 2019 | 15:49

قوّة الثورة (تعبيرية- حسن عسل).

يعيش لبنان اليوم حالة سياسيّة جديدة لم يشهد مثيلاتها إلا بطريقة جزئيّة. لم يثر اللّبنانيون جميعهم للمطالب والحقوق نفسها ولا مرّة في تاريخ جمهوريّة لبنان الكبير. دائمًا كنّا نشهد شارعًا مقابل شارع، واللّعب على التناقضات والفرص الإقليميّة والدّوليّة كان يغلّب واحدًا على الآخر؛ من دون إغفال القدرة الثورويّة التي قد يمتلكها أيّ شارع بطريقة أفضل من غيره فتؤمّن له فرصًا للنّجاح في ثورته أكثر.

إلا أنّ واقع الحال قد اختلف اليوم. فاللّبنانيّون جميعهم ثائرون للحقوق نفسها وليس لأيّ مطالب. وهنا سرّ قوّة ثورتهم هذه المرّة. وما يحاول أهل السلطة اجتراحه يكمن في خلق شارع مقابل الشارع اللّبناني. لكأنّ هذا الشارع الذي ينزل مقابل الثوّار هو من القمر! وبعضهم ممّن شهدناهم يفاخر بكونه مرتزقة للسلطة. مع الأخذ بعين الاعتبار شرط تأليه الحاكم لعدم المساس به على أساس القاعدة التي كانت سائدة في المجتمع العربي الجاهلي.

وعلى ما يبدو أنّ أهل السلطة لم يملّوا بعد من أساليبهم الرّثّة والبالية التي لم تجدِ أيّ نفع حتّى اليوم. فالنّاس مجمعون على رفض فكرة الحرب. فما من أحد يريد الحرب البغيضة إلا أولئك الذين يرفضون الاستجابة لصوت الناس. وهم معروفون بالأسماء والصور والخطابات. واللافت في ما يحدث اليوم أنّ الثوّار أيضًا لم يملّوا، والأرجح أنّهم لن يملّوا أبدًا. فالنّاس لم تعد تملك أيّ شيء لتخسره. وهنا يكمن سرّ القوّة.

لذلك كلّه تتّجه الأنظار إلى قواعد اللعبة الإقليميّة والدّوليّة حيث يترقّب أهل السلطة أيّ تغيير من هاتين الوجهتين. وما لا يعرفونه أن التّغيير لا بدّ آتٍ، لكنّه لن يكون في خدمتهم أبدًا. فمسار التّاريخ معروف، ولن يسير لبنان في عكسه أبدًا. من هنا، سيشهد هذا الأسبوع تصعيدًا من أهل السلطة الذين سيجهدون لاجتراح المعجزات للضّغط على شارع الثّورة. فما يدور من أحداث في العراق وإيران لا يخدم إطلاقًا أجندتهم ولا حساباتهم في لبنان؛ وهم لن يسلموا بذلك. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ لبنان هو لبنان، وليس إيران أو العراق.

فلا بدّ، إذًا، من أن تغيّر الثّورة حركتها اليوميّة، من دون تغيير مسارها؛ تماشيًا مع ما ستشهده الساحة الاقليميّة من أحداث ستنعكس سلبًا على أهل السلطة. ومن لم يقرأ ذلك في حركة الموفدين الأوروبيّين السابقة يعني أنّه يرفض رؤية الحقيقة. وإن لم يُستجب، سيتّجه الغرب إلى الخطّة البديلة التي قد تكون في تصعيد لهجة التشدّد لتأليف الحكومة العتيدة. وهذا ما لن يقدم عليه أهل الحكم لمعرفتهم المسبقة بمدى خسارتهم.

لذلك كلّه، باتت الخيارات المختلفة والتي لم تكن مطروحة منذ بداية الثورة، وتحديدًا منذ استقالة الحكومة، مطروحة بقوّة. فإذا "حزب الله" والعهد لا يملكان القدرة السياسيّة على تشكيل حكومة المواجهة التي تمّ التّصريح عنها، هذا يعني بأنّ فريق السلطة ينتظر الاحتمالات التي قد تطرح على فريقه من المجتمع الدولي. وبات واضحًا أنّ هذا المجتمع قد لاقى صرخات الأمّهات اللواتي انتفضن ضدّ حرب الشّوارع التي كانت تؤجّجها السلطة. لذلك ستطرح الحلول البديلة. وقد يكون أحدها مثلاً حكومة عسكريّة مصغّرة إنقاذيّة في ظلّ عدم إسقاط لا النّظام ولا الرّئيس على السّواء، ما يريح قسمًا كبيرًا من الشارعين الموجودين اليوم على اختلاف أعدادهما.

يبقى أن نترقّب في هذا الأسبوع التّصعيد الذي قد يأتي من المجتمع الدّولي، تحت وقع الضّغط الاقتصادي، وأزمة الدولار التي افتُعِلَت خدمة لمصالح فئات معروفة في لبنان. وهذا ما لم ينطلِ على المجتمع الدّولي المراقب لحركة سوق النّقد في لبنان والوجهة التي تنطلق منها وإليها. فهل سترضخ السلطة تحت وقع الضّغوط الدّوليّة؟ أم أنّها قد تستبق المجتمع الدّولي في انقلاب على ذاتها بحكومة مصغّرة تجترحها هي نفسها لإخراج نفسها ممّا أقحمت ذاتها به؟

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard