إخبارٌ، يا سيّدي القاضي

2 كانون الأول 2019 | 15:12

المصدر: "النهار"

لوحة ليوري باشكين.

2 كانون الأوّل 2019. نحن على أبواب السنة الجديدة، التي تتزامن مع مرور مئة عام على ولادة لبنان الكبير. لكنْ، لا سنة جديدة، ولا مَن يحزنون. فـ"العهد القويّ" استطاع فقط أنْ يكون قويًّا على الناس الطيّبين الفقراء والأحرار. لكنّه لم يستطع أنْ يكون وفيًّا بالوعود التي أطلقها، لا على صعيد الإصلاح، ولا أيضًا على صعيد التغيير.

"العهد"، ليس تعبيرًا مجازيًّا. إنّه عهد "التيّار الوطنيّ الحرّ" بالتحالف الوثيق مع "حزب الله" وحركة "أمل" و"تيّار المردة"، وكان في ما سبق من أسابيع قليلة، لا يزال على تحالفه مع "تيّار المستقبل" و"الحزب التقدميّ الاشتراكيّ" و"حزب القوّات اللبنانيّة".

هذا "العهد"، أيّها القاضي، يأخذ لبنان إلى الهاوية. فالإفلاس يدقّ الأبواب دقًّا عنيفًا، وبتسارعٍ لا هوادة فيه. الجوع، كما الفقر، يجتاحان الأكثرية الساحقة من اللبنانيّين، ويهدّدان الإنسان في لقمة عيشه.

ليس الوقت وقت التفلسف والتنظير. ولا وقت الندب والرثاء. إنّه الوقت الذي يجب أنْ تُقال فيها الحقائق بلا مواربة.

من هذه الحقائق الصافعة، أنّ السلطة في لبنان لا بدّ أنْ تكون سارقة. قاتلة. مجرمة. سفّاكة دماء. وبلا ضمير. بدليل أنْ الخزينة فارغة، فأين ذهبت الأموال؟! وبدليل أنّ الناس على قارعة الطرق، فلماذا الناس على قارعة الطرق؟!

السلطة، بما هي "عهدٌ" حاليّ، و"عهودٌ" سابقة، هي على هذه الحال من الوصف، ليس لسببٍ محدّد فحسب. بل للأسباب كلّها.

كيفما تتوجّه، أيّها القاضي، ترَ الأسباب أمامكَ، وبين يديكَ، صريحةً، ومجتمعةً، لإدانة هذه السلطة، بارتكاباتها العلنيّة، فكيف بالارتكابات غير العلنيّة.

مسألة تأليف الحكومة، أو عدم تأليفها، أو مسألة تأخير تحديد موعدٍ للاستشارات الملزمة، هي آخر الأسباب، وربّما تقع في أسفل سلّم الارتكابات.

علمًا، أيّها القاضي، أنّ مسألة التأخّر هذه، تنتهك الدستور، وتغتصب اتفاق الطائف، وتشدّ الخناق الاقتصاديّ والمعيشيّ والاجتماعيّ والنفسيّ على عنق المواطن الفقير، الذي يجسّد في اللحظة الراهنة ثورةً عابرةً للمناطق والطوائف والمذاهب.

ألا يكفي، أيّها القاضي، أنّها سلطة لامبالية – فعلًا لا قولًا - بالفقراء والجوعى والمرضى والمتشرّدين والمنسيّين والمهملين والمفقودين والمخطوفين والموجوعين والمتألمين واليائسين؟! الدليل، بين يديكَ، وفي الملفّات الموثّقة، والموجودة في الأدراج، والمتضمّنة بالأرقام أعداد هؤلاء، ونسبهم، التي فاقت أعدادًا ونسبًا في بلدانٍ أكثر منّا تخلّفًا واستبدادًا وقهرًا وعدم مساواة.

ألا يكفي، أيّها القاضي، أنّها سلطة تحتقر عمليًّا شعبها المقيم، ليس في البيوت الآمنة، بل المنتشر منذ خمسة وأربعين يومًا في الطرق، والساحات والشوارع، بـ"طوائفه" و"مذاهبه" كافّةً، كما بمواطنيه، تحت سفالة الشمس، وسهر القمر، وفي ذلّ الأمطار، والرياح، والصقيع، مطالبًا إيّاها بالرحيل، بصرخته العزلاء، المجروحة، الحرّة، الثائرة؟ ألا يكفي، بدل أنْ تنزل إليه، لتسأله الغفران، وتأخذ بمطالبه الواضحة والمعروفة، وترحل، تمعن في إجراء مفاوضاتٍ خسيسةٍ بين أطرافها لتأليف حكومةٍ تحصّنها من المحاسبة، وتتيح لها مواصلة الإشراف على مزاريب السرقات والصفقات والمحاصصات؟

ألا يكفي أنّها مؤتمنة على كيفيّات إذلال هذا المواطن، بدل أنْ تكون مؤتمنةً على مصالحه، ورفاهه، وكرامته، وضمان عيشه، وعلمه، وتربيته، وصحّته، وديموقراطيّة تمثيله، وحرّيّة تفكيره؟!

ماذا تنتظر، يا سيّدي القاضي، لكي تأخذ بموجب هذا الإخبار؟!

استقلالية القضاء، بل انتفاضته، بل ثورته، تبدأ الآن: يكفي، أيّها القاضي أنْ تفتح الأدراج، وتميط اللثام عن جرائم هذه السلطة، وتُجري اللازم.

إنّه إخبار. محضُ إخبارٍ ليس إلّا، يا سيّدي القاضي!

Akl.awit@annahar.com.lb

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard