"طالبان" قد ترغب باتّفاق... لكن ليس لسبب يرضي ترامب

2 كانون الأول 2019 | 11:03

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

ترامب زائراً قواته في أفغانستان الخميس الماضي - "أ ب"

سافر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أفغانستان في زيارة مفاجئة لم يعلم بها الرئيس الأفغاني أشرف غني إلّا قبل ساعات. وصل ترامب إلى قاعدة باغرام العسكريّة الواقعة على بعد 80 كيلومتراً شمال العاصمة كابول عند الساعة الثامنة والنصف من مساء الخميس بالتوقيت المحلي. وقد رافقه مستشار شؤون الأمن القوميّ روبرت أوبراين ومجموعة من المستشارين وضبّاط الحرس الرئاسيّ و 13 إعلاميّاً. 

صفحة جديدة؟

التقى ترامب بحوالي 1500 عنصر من القوّات الأميركيّة حيث تناولوا الطعام احتفالاً بعيد الشكر. وبعدما قابل غني، أعلن الرئيس الأميركيّ أنّ "طالبان" تريد توقيع اتّفاق مع الولايات المتّحدة. لكن سرعان ما ردّ الناطق باسم الحركة ذبيح الله مجاهد لوكالة "فرانس برس" على كلام ترامب قائلاً إنّه "من المبكر جدّاً الحديث عن استئناف للمحادثات في هذه المرحلة".

وكان ترامب قد قطع المحادثات أوائل أيلول عقب تفجيرات أدّت إلى مقتل 12 شخصاً بمن فيهم جنديّ أميركيّ، واعتبر المفاوضات "بحكم الميتة". كما ألغى حينها استقبالاً لمسؤولين من الحركة في كمب دايفد خلال الذكرى الثامنة عشرة لهجمات 11 أيلول. وأطلق في ذلك الوقت تغريدة جاء فيها: "أي نوع من الأشخاص هم الذين يقتلون العديد (من الناس) كي يعزّزوا كما يبدو موقعهم التفاوضي؟"

لكن قبل يوم واحد على زيارة أفغانستان، سقط حوالي 15 قتيلاً أفغانيّاً عقب انفجار قنبلة كانت الحركة قد زرعتها على جانب طريق سلكها مدنيّون كانوا متوجّهين إلى حفل زفاف.


"تفكير رغبوي"

في وقت يبدي ترامب حماسة وتفاؤلاً إزاء المفاوضات، قال مسؤول أميركيّ بارز مشارك في صناعة القرار حول أفغانستان لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركيّة: "كما قال الرئيس، نحن نعيد إطلاق المحادثات مع ‘طالبان‘. التركيز سينصبّ على تقليص العنف." وأضاف: "إذا كان بالإمكان التوصّل إلى اتّفاق، فبإمكان الطرفين التوقيع على اتّفاق سلام." معنى كلام المسؤول الأميركيّ أنّ الطريق إلى اتّفاق لا يزال طويلاً وأنّ الحديث عن "رغبة" طالبان في اتّفاق كهذا هو بالحدّ الأدنى غير ناضج. ووصفت "واشنطن بوست" كلام ترامب بأنّه "تفكير رغبويّ". ولا تزال الإدارة مصرّة على تقليص عدد الجنود من حوالي 13 ألفاً إلى 8600، في إشارة أخرى إلى إمكانيّة "طالبان" الاستفادة من النوايا الأميركيّة لتعزيز موقعها في المفاوضات.

من النقاط اللافتة التي طرحها ترامب أيضاً قبول "طالبان" وقفاً لإطلاق النار: "لم يريدوا القيام بوقف لإطلاق النار، لكنّهم الآن يريدون فعلاً القيام بوقف لإطلاق النار، أعتقد. وعلى الأرجح ستتمّ الأمور على ذلك النحو. وسنرى ما الذي سيحصل." يعبّر قول ترامب عن خلط أوراق في مراحل المفاوضات.

كانت "طالبان" تريد وقفاً لإطار النار، لكن بعد انسحاب الأميركيّين من أفغانستان، لا قبله. وقبول الحركة بالتسلسل الجديد لسيرورة المفاوضات لا يبدو وراداً في الوقت الحاليّ. "خرج الأميركيّون من طاولة المفاوضات، واليوم الطابة في ملعبهم – يعود إليهم الرجوع إذا أرادوا حلّ هذا والإتيان بالوثيقة للتوقيع ولمرحلة التطبيق." هذا ما قاله العضو المفاوض في لجنة طالبان إلى صحيفة "نيويورك تايمس" سهيل شاهين. وأضاف: "مواقفنا تبقى هي نفسها".


موجتان

أمّا سبب عدم قبول "طالبان" بوقف إطلاق النار قبل الانسحاب الأميركيّ، فيبدو أنّه استراتيجيّ ويتعلّق بقدرات الحركة التنظيميّة والميدانيّة على المدى البعيد، خصوصاً إذا فشلت الولايات المتّحدة أو تراجعت عن تطبيق التزامها.

إنّه بكلمة أخرى ووفقاً لما يلخّصه مراسل الصحيفة في أفغانستان مجيب مشعل سبب "وجوديّ". تعتقد الحركة أنّها لن تستطيع إعادة حشد مقاتليها مجدّداً إذا طلبت منهم إيقاف المعارك ثمّ انهار الاتّفاق. بالمقابل، يقول غني إنّ المفاوضات حول المستقبل لا يمكن إجراؤها تحت ضغط البندقيّة، بالتالي يجب أن يكون وقف إطلاق النار شرطاً مسبقاً لأيّ محادثات.

لكن من الواضح أنّ الولايات المتّحدة وغني ليسا ضمناً على الموجة نفسها، لأنّ واشنطن كانت تفاوض وفقاً لأجندة "طالبان"، ليس بالنسبة إلى التسلسل الزمنيّ لمراحل تنفيذ الاتّفاق وحسب، بل أيضاً لجهة استبعاد الحكومة الأفغانيّة عن المفاوضات. من جهة أخرى، قال ترامب إنّ بلاده ستبقى "حتى يحين وقت نحظى فيه باتّفاق أو نحظى فيه بانتصار كامل، وهم يريدون التوصّل إلى اتّفاق بشدّة". لكنّ "الانتصار الكامل" قد يأتي عبر حلّ عسكريّ وفقاً لما قاله الرئيس الأميركيّ نفسه. فالحرب في أفغانستان، "لم تتقرّر على الميدان" بل "من قبل شعوب المنطقة".


المواقف نفسها منذ عشر سنوات

يضاف إلى الغموض الذي يلفّ مصير المفاوضات التي أعيد تفعيل مسارها بشكل بطيء خلال الأسابيع القليلة الماضية، تعاني أفغانستان من اضطراب سياسيّ ناجم عن عدم حسم مصير الانتخابات التي جرت في أيلول الماضي. ويتّهم مناصرو عبدالله عبدالله، منافس غني في الانتخابات الرئاسيّة، الرئيس الأفغاني بالتزوير وقد نظّموا تظاهرات ضدّه يوم الجمعة.

في اليوم نفسه، عاد مجاهد ليؤكّد لوكالة "رويترز" أنّ الحركة مستعدّة لإطلاق المفاوضات من النقطة التي انقطعت عندها. وقال مسؤول آخر من "طالبان" اشترط عدم الكشف عن اسمه: "نأمل أنّ زيارة ترامب إلى أفغانستان ستثبت أنّه جدّيّ للبدء بالمحادثات مجدّداً".

منذ سنة حذّر ناشر "مجلّة الحرب الطويلة" بيل روجيو من أنّ "طالبان" بقيت صلبة إزاء مطالبها طوال عقد. وفقاً للظروف القائمة والتي لم تتغيّر كثيراً، من المحتمل أن تتوصّل واشنطن و "طالبان" إلى اتّفاق. لكنّه لن يكون اتّفاقاً سيحبّه الشعب الأفغاني أو الولايات المتّحدة أو حلف شمال الأطلسيّ أو القوى الإقليميّة التي ترفض الجهاد. وكتب حينها أنّ "طالبان" ترفض التراجع عن طلب الانسحاب الأميركيّ أو دخول الحكومة الأفغانيّة، وهو موقف لا تزال تتّبعه اليوم فعلاً.

قد يكون ترامب محقّاً في أنّ "طالبان" تريد اتّفاقاً "بشدّة". لكنّ هذه الرغبة قد تنطلق من واقع أنّ هذا الاتّفاق "سيفيد طالبان بالتأكيد" وفقاً لتوقّع روجيو.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard