الانهيار والجمهورية الثالثة

28 تشرين الثاني 2019 | 17:04

ساحة رياض الصلح (أحمد عزاقير).

يشهد الداخل اللبناني حركة احتجاجات غير مسبوقة تصل إلى حدّ الثورة ضد الواقع المأزوم الذي وصلت إليه الأوضاع المعيشية والاجتماعية والاقتصادية. ويُعزى هذا الواقع المأزوم إلى منظومة الفساد في الدولة العميقة ــ التي أفرزتها الحرب الأهلية اللبنانية ــ والتي هيمنت على كل مفاصل الإدارات والمؤسسات العامة من أعلى الهرم إلى أسفله، فأنتجت فساداً يكلف الاقتصاد اللبناني حوالي 5 مليارات دولار سنوياً خسائر مباشرة ناهيك عن الخسائر غير المباشرة، ما أدخل البلاد في المرحلة الأولى من حالة الانهيار المرتقب، تتجلّى مؤشراته في تدهور سعر الليرة في السوق الموازي إلى حدّ 2000 ل. ل. لكل دولار وارتفاع الأسعار وانخفاض كمية البنزين والماوزت والغاز المتوفر للاستعمال المنزلي، وإقفال العديد من المؤسسات أبوابها وصرف العديد من العمال والموظفين، وشحّ الدولارات في القطاع المالي وحالة هلع المودعين على خسارة ودائعهم وغيرها من المؤشرات. ويخطئ من يظن أننا وصلنا إلى هذه المرحلة بسبب الاحتجاجات وقطع الطرقات وإغلاق المؤسسات العامة، بل هو نتيجة تراكمات عمرها عشرات السنين. فمنذ ما قبل بدء هذه الاحتجاجات ويشهد السوق المالي شحّاً في الدولارات وعدم القدرة على استيراد بعض المواد الأساسية وضعف الحركة التجارية وتخطي نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي 150% والعجز المالي 11.5%، وبلغ النمو الاقتصادي صفر% وعجز الميزان التجاري 17 مليار دولار... إلخ. ويكاد السؤال الذي يحوز إجماع اللبنانيين: هل نحن مقبلون على الانهيار الكامل؟

ونحن هنا أمام معضلة حقيقية في الإجابة: ما بين ضرورة تطمين الناس حتى لا تزداد حالة الهلع وبين إظهار الحقيقة كما هي. أظن أننا هنا أمام مقاربتيَن مختلفتين في الهدف ومشتركتيَن في الأداة. في البداية، يبدو أن تشكل الجمهورية الثالثة في لبنان يلوح في الأفق بحسب مجريات وتدحرجات الأحداث. هذه الجمهورية الثالثة لا تقوم إلا على أنقاض الجمهورية القديمة، وإن كان من المستبعد بل هناك إجماع دولي من جميع الأطراف أن لا تقوم الجمهورية الثالثة على أشلاء حرب أهلية وسفك الدماء، لذلك يصبح السبيل الوحيد هو الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي. والإشكالية المطروحة في هذا المضمار ما هو شكل الجمهورية الثالثة؟ هل هي انعكاس للمحور المنتصر في المنطقة أم تأكيد على النموذج الرأسمالي الريعي وتشريع لسيطرة الأميركي على النفط والغاز في لبنان؟

تسعى الإدارة الأميركية منذ نقض الاتفاق النووي الاميركي- الإيراني في أيار 2018 إلى تشديد الخناق على محور المقاومة عبر العقوبات الاقتصادية تحت نظرية الخنق ثم الإخضاع. إذ يُعتبر من أولى أولويات الإدارة الأميركية هو القضاء على حزب الله في لبنان وحركات المقاومة في فلسطين المحتلة تمهيداً لتحقيق صفقة القرن، وباعتقاد هذه الإدارة أنه من الصعب القضاء عليها عسكرياً كما صرح بذلك المسؤولون الأميركيون وكان آخرهم فيلتمان، لذلك اللجوء إلى خيار الكوارث الاقتصادية. ويقوم مذهب رأسمالية الكوارث على استغلال كارثة ما تأتي في مقدمتها الانهيارات الاقتصادية وانهيار للسوق المالي والمصرفي وتدهور للنقد الوطني من أجل تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية. فالكارثة تضع جميع السكان في حال من الصدمة الجماعية لتطويع مجمل المجتمعات. وإن تطبيقها في لبنان يندرج في إطار تحميل حزب الله هذا الانهيار وبالتالي سلخه من بيئته عنصر قوته الأساسية من أجل تطويعه وإخضاعه، ومن ثم في ضمان السيطرة على منابع النفط والغاز المرتقبة في لبنان. في المقابل حقق محور المقاومة الانتصارات في ميادين الحروب التي خاضها وهو يشكل مع روسيا والصين منظومة عالمية في مجابهة القطب الأميركي. إن النموذج الاقتصادي الذي يتماهى مع محور المقاومة يختلف اختلافاً جذرياً في بنيته وثقافته مع النموذج الرأسمالي والاميركي وهو غير متوفر في مقومات النموذج الاقتصادي القائم في لبنان. بل على العكس تماماً إن بنية الاقتصاد اللبناني تساهم عبر القطاع المصرفي في تشديد الخناق على حزب الله وفي تجفيف منابع تمويله وبالتالي فهو مساهم في الحرب الأميركية عليه. ومن ثم فإن هذا النموذج غير قابل للتعايش مع حزب الله المنتصر في الميادين، وإن بناء نموذج جديد لا يأتي إلا على أنقاض القديم. والخيار الاستراتيجي هو في التوجه إلى الصين وروسيا ودول البريكس وفك الارتباط بالدولار وبسوق النفط الذي تتحكم به الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون. وفي النتيجة فإن هاتين المقاربتين تقودان إلى نفس النتيجة وهي عدم قدرة الجمهورية اللبنانية في صيغتها الحالية على الاستمرار في الحياة.

فهل تستطيع الحركات الاحتجاجية في فرض شروطها وخلط الأوراق وفي طرح نموذج مختلف خارج إطار الخطط والسيناريوات المرسومة؟

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard