الغضب ينتقل من جيل الى جيل بسبب أمراء الحرب... هل يجرؤون على الاعتذار الحقيقي والمصالحة؟

27 تشرين الثاني 2019 | 17:30

المصدر: "النهار"

  • ليلي جرجس
  • المصدر: "النهار"

تصوير: حسام شبارو

يبدو أن بوسطة الثورة التي اعتبرها البعض وقوداً لإعادة ذكريات الحرب الأهلية إلى الأذهان والنفوس ليست هي من أيقظت الفتنة النائمة في نفوس البعض، هذه الفتنة تعيش في داخل بعضنا بعلمهم أو من دون علمهم، بوعيهم أو باللاوعي، لكنها كادت أن تُوقظ شبح الطائفية والمتاريس وخط التماس الحاضر – الغائب في كل مكان، وتحديداً في بعض المناطق التي تحمل بعض رموز الحرب وفصولها.

الغريب ليس بما يُقلقنا ولا بما يخيفنا، بل برّدة فعل بعض الشباب الذين نزلوا بالأمس وهم أصلاً لم يعيشوا الحرب أو لا يعرفون الكثير عن تلك الحقبة. فيديو قديم أشعل الطائفية والمذهبية، منطقة عين الرمانة – الشياح التي كان يُطلق عليها "خط تماس" حضنت الغضب بوعي، ونجحت في إخماد ما قد عمَد البعض إلى افتعاله.

كيف يقرأ علم النفس ما جرى بالأمس في منطقة الشياح - عين الرمانة؟ وهل فعلاً ما زالت ذهنية الحرب والطائفية ساكنة في النفوس؟

يشرح الطبيب والمحلل النفسي الدكتور شوقي عازوري لـ"النهار" أن "ما شاهدناه بالأمس حصل لأننا لم نفعل ما كان يجب علينا فعله منذ سنين طويلة. لو شهدنا على مصارحة ومصالحة لمرتكبي الجرائم في الحرب الأهلية كما حصل في أفريقيا الجنوبية (La Commission Vérité et Réconciliation) ما كنا لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم. ماذا يعني ذلك؟ بما أننا لم نتحدث بصراحة من جيل إلى جيل، ولم نشاهد مواجهة ومصارحة بين الذين شاركوا في الحرب (وفي رقبتهم دماء) والناس الذين فقدوا أعزاء أو خسروا منازلهم أو تهجروا... وطالما لم يتقدّم أمراء الحرب من هؤلاء طالبين السماح عما اقترفوه، فطلب السماح مهم جداً وعلى مرتكب الجريمة ان يطلب السماح حتى يتمكن الآخر من مسامحته، وإلا لن ننجح في الحداد على من فقدناهم".

ولأننا لم نشهد على مثل هذه المصارحة والمسامحة في لبنان، يرى عازوري أن "هذا الغضب انتقل من جيل إلى جيل، وانتقل الحقد من الـ1975 إلى اليوم كما هو، صحيح أن أجيال اليوم غير واعية على تاريخ الحرب لأنه ليس تاريخها، لكنها تحمل غضب أهلها المتناقل بدون وعي. الأب الذي يحمل حقد الماضي وغضبه، ينقله بدون وعي أو كلام إلى ابنه وابن ابنه... وهذا ما يُفسر ردة فعل الشباب في عين الرمانة - الشياح الذين انتفضوا وأعادوا إلى الأذهان مشهد الحرب.

نحن أمام مشهدية منقسمة بين الثورة والثوار الذين تعاملوا مع الفوضى والاستفزاز من قبل بعض الشبان، بطريقة سلمية، أي، عِوَضَ الردّ عليهم بالغضب والحقد، جاء الردّ بالسلام والمحبة. وهذه الطريقة جعلت الآخر يرى حقيقته ويتوقف عما يقوم به. صحيح أن الجماعة تُشعِر الفرد بالقوة، وهي غريزة ناتجة من الشعور بالحماية، على خلاف ما قد يشعر به الشخص لو كانت مبادرة الهجوم أو التعدي فردية.

في المقابل، هناك مجموعة محرَّكة سياسياً مُطلوبٌ منها أن تقوم بهذه الأفعال، وخير دليل هو ما صرخ به هؤلاء الشباب "شيعة، شيعة" بعد أحداث جسر الرينغ. لأن من يحكمهم يُحرّك لديهم الانتماء الطائفي أكثر من الانتماء إلى لبنان. ومن دفعهم إلى القيام بهذه الاستفزازات والمشاكل يعلمون جيداً ماذا يفعلون. لكن عندما تنجح الثورة سيزول الإنتماء للطوائف".

ما الذي يجعل بعض الناس يهتفون باسم الزعيم ويرفضون التحرر من هذه التبعية السياسية أم الطائفية؟ وفق عازوري، "هناك فئة تخاف من الحرية، وهذا الخوف والقلق يجعلانها في علاقة عمياء مع الزعيم أو القائد".

وبين التبعية الناتجة من الخوف وعدم المصارحة والمصالحة بين زعماء الحرب والشعب، هل علينا أن نُعيد تكرار تاريخنا بوجوه جديدة؟ يأمل الطبيب والمحلل النفسي الذي كتب كثيراً عن أثر الحؤب وغياب المصالحة الحقيقية، أنه "بعد أن تنجح الثورة في تحقيق أهدافها حتى السياسية منها، أن تأخذ بعين الإعتبار مسألة المصارحة والمصالحة حتى يتمكن الناس من عيش حدادهم وتخطي هذا الوجع الدفين. علينا أن نعرف أهمية الحداد في حياة الشخص، وهذه القصة التي سأسردها كفيلة في أن توضح ما أقوله. يتناول الفيلم أفريقيا الجنوبية وقصة رجل قام بتعذيب أحد الصحافيين، واعترف لوالدته (والدة الصحافي) أنه هو من قام ببتر يديه، وعندما سألته ماذا حصل لجثته، قال لها إنه حرقها. فما كان من والدته إلا أن قالت له: "لا أريد سوى يديه اللتين لم تُحرقهما حتى أتمكن من دفنهما والبكاء عليه، وبالتالي تسمح لي بالحداد عليه".

هذه القصة تعكس واقع أمهات المفقودين في السجون السورية، واللواتي يعشن صراعاً ووجعاً وألماً لا ينتهي. الحداد كفيل في دفن الغضب والوجع، لكن في حال لم يحصل لن نتمكن من الخروج من هذه الدوامة".

ويبقى في النهاية أن نعرف أننا أمام خيارين: إما أن تعي السلطة وتقوم بالمواجهة والاعتراف بأخطائها وطلب السماح، أو تستمر بشيطنة الثورة والتغاضي عن أخطائها واقترافاتها المجحفة بحق الشعب.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard