"كلّن يعني كلّن"... ونحن جزءٌ منهم

27 تشرين الثاني 2019 | 18:07

تصوير أحمد عزاقير.

كبداية، كل حراك مليء بأمل التغيير. تعاطفنا وتضامنّا جميعاً مع ثورة الشعب اللبناني على كل مآسيه وأحزابه وطبقته السياسية الحاكمة، وكلنا كان يطمح لأفق جديد يكسر التبعية الحزبية السياسية والدينية التي نالت من أوطاننا العربية وقسّمتها وكأنها نمط جديد من أنماط الاستعمار.

 

استفقنا على حقيقة أنهم، أي قادة الأحزاب، عملاء التدخلات الخارجية، لن يتركوا لحراك نهضويّ في أي بقعة من عالمنا العربي أن يمرّ بسلام، وإلى جانبهم أصحاب مشاريع الفوضى الخلاّقة أو الشرق الأوسط الجديد. ومهما اختلفت المسميّات، فهناك دوماً لاعب مستفيد نعلم ونتفهّم قدرته على تحريك السياسة والتحكم بها، ولكن الأمر الذي بات يستدعي بشكل حقيقي طرح السؤال حوله، بل ومعالجته، يدور حول جدوانا، نحن كشعوب وأفراد، عن مدى صدقنا وفهمنا لحقوقنا ووطنيتنا، وكيف أصبحنا الأدوات التي تخذل بها ثوراتِنا بأيدينا قبل أي أحد آخر.

ضياع الوطنية الصافيه غالباً هي إشكاليتنا التي يبدأ منها كل شيء. حتماً لن يستفيق أي لبناني أو عربي صباح ذات يوم وهو متعافٍ كلياً من أي انتماء حزبي أو ديني. سنوات من تعزيز التبعية الحزبية ضرباً بالوطنية الخالصة للوطن وحده، لن تنتهي فجأه أو دفعة واحده مهما بلغ الحال بالناس من الجوع والتعب والظلم، فكلنا، وبكل موضوعية، في داخلنا نرى أن هناك من هو أصلح من وجهة نظرنا أو على الأقل لا يستوي مع غيره  في درجة السوء، أو لم يصل إلى حدّ الخيانة الوطنية والتآمر على الوطن، وهي حقيقة منطقية إلا أنها النقطة التي ينتهي عندها كل حلم بالتغيير.

ولتكن الفكره أكثر وضوحاً، فإن حقيقة ما نعيشه اليوم ناتج عن ازدواجية المواقف والمعايير والقيم. قبولنا وتغاضينا عن أبسط أخطاء أو مواقف الأحزاب وقادتها جعلنا نساوم على أوطاننا حتى وصلنا اليوم إلى واقع أن الانتماء السياسي لأي حزب بات يعني قبولنا بالفساد والقتل أو الظلم في مكان ما في هذا العالم. بلغ بنا الحال أننا لا نتردد في مواجهة بعضنا في الساحات وحتى بين أسوار منازلنا وحجراتنا الضيقة بدافع حب الوطن ومواجهة مشاريع أعدائه. الهدف سامٍ ولكن الطرق مليئة بالممرات المظلمة حتى بلغ بنا التّيه إلى حدّ  الاختلاف حول هوية عدونا، وما عادت إسرائيل وحدها في الواجهة.

الأحزاب في عالمنا العربي دينية كانت أم علمانية باتت الأولوية، وزعماؤها باتوا القديسين غير القابلين للخطأ وإن أقدموا على ذلك فهو مغفور أو يُقبل غضّ الطرف عنه على حساب الوطن أو القيم حتى لا يشمت أو يتقدم علينا حزب آخر، أما فئة المحايدين وهم قلة، فبعد حوار بسيط لا بد أن تقرأ بين السطور ميله لطرف دون آخر.

 في علم السياسة، هناك حتماً إطار فكري قد تلتقي حوله مجموعة لتختلف عن أخرى، وهذا ما يُعرف بوجهات النظر، لكن الإشكالية تبدأ حين يصبح هذا الإطار أهم من الوطن وأكبر من القيم. وتتفاقم الإشكالية هنا حتماً حين تحتمي تلك الآراء بعباءة الدين أو الإنسانية.

"كلن يعني كلن" كلمة حق ينقصها جمعنا مع جماعة  "كلن"،  فنحن كشعوب جزء مسبِّب بقصور  لواقعنا وفشل ثوراتنا بتعظيمنا لأحزابنا وقادتها على حساب العدل والوطن والإنسان. أخذتنا الأعلام وأغاني التهليل والتعظيم للفئوية بعيداً جداً عن كل القيم التي يجب أن نتمسك بها تجاه أوطاننا.

الثورة الحقيقة هي شفاؤنا جميعاً وبصدق من مرض الحزبية وتأليه الزعماء والمساومة على أوطاننا. الثورة الحقيقة يجب أن تبدأ من داخلنا بأن نتوقف عن التعاطف أو الدفاع عن أي شخص أو حزب على حساب الوطن. الثورة الحقيقة هي أن ننتفض على خوفنا الداخلي من التغيير وعلى فكرة أننا بلا تلك الأحزاب ذاهبون للهلاك، أو أن زوالها يعني فرصة لأعداء الوطن لهزيمتنا، متناسين أن هذه الأحزاب هي السبب لكل ما نعيشه من تشرذم وضعف بل وانهيار لمنظوماتنا كدول.

 الثورة الحقيقة تعني أن نؤمن بأن الأحزاب الصالحة لا تدافع عن الفساد، ولا تهادن عدواً، ولا تقبل بقتل أبرياء، ولا تمنح مساعدتها ببطاقة عضوية. الثورة الحقيقة يجب أن تبدأ بنا بتصويب مفاهيمنا والفصل بأن مطالبتنا بحقوقنا لا تعني أننا عملاء وأن صمتنا عن الأخطاء ليس تضييعاً لفرصة التدخل على الأعداء إنما هو تمكين لضعفنا أمامهم. الثورة الحقيقة تتطلب وقف العبث الإعلامي في عالمنا العربي ومشاريع التجييش، والتفريق باللعب على المصطلحات والعواطف، وفتح الهواء لضخّ رسائل تشعل الشقاق بدلاً من رأبه.

في النهاية لن تنجح ثورة طالما لم ننجح كأفراد في التخلص من عصبياتنا ومن إدراك حقيقة أن الوطن نقطة التقاء لا تفرقة، وأن لا مجال للمساواة أو التسامح في أي خطأ يتعلق بأمنه واستقراره وخيراته، وأن العدو مزروع في خاصرتنا وأفكاره الهادفة إلى تشتيتنا زرعه في عقولنا ونجحت في تدمير واقعنا.

ويبقى الأمل بالصادقين في كل الميادين، بمن خرجوا لأجل الوطن، وألا تثور عصبياتهم إلا تجاه كل ما يمسّ أركانه ومستقبله.

+صحافية

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard