الحالة النفسية للشباب المنتفض... الاحباط ليس قدراً والوعي سلاح

26 تشرين الثاني 2019 | 12:51

المصدر: "النهار"

تصوير حسن عسل.

منذ بداية الثورة قبل 40 يوماً يتخبط الشباب اللبناني بين آمال كبرى بالتغيير ومشاعر اليأس أمام تهاون السلطة واستخفافها بما يجري في الشارع. مشاعر متضاربة من الطبيعي أن تؤثر ببعضهم، تاركةً آثاراً نفسية واضحة وخيبة يصعب التغلب عليها، فيما يزيد آخرين اندفاعاً وعزماً في سبيل تحقيق أهداف الانتفاضة. 

تصوير حسن عسل.

يتحدث نهاد، أحد الثوار، باندفاع، عن المراحل التي مرت بها الثورة وانعكاسها على حالة الشباب النفسية، مشيراً إلى أن الحالة الإيجابية والذروة كانت مع استقاله الحكومة التي شكلت إنجازاً للثورة وأعطت دفعاً للشباب وعزماً على المتابعة لتحقيق الأهداف. كان لهذة الخطوة أثر إيجابي مهم على معنويات الشباب، "ويكفي أن الثورة استطاعت أن تجمع الكل من مختلف الطوائف في وحدة وطنية. فاجتمع الكل بيد واحدة من أجل الوطن ومصلحته أولاً دون أية خلفيات أخرى. هدفنا الاساسي كان ويبقى أن نعمّر البلد، وكل خطوة إيجابية قمنا بها زادتنا عزماً واندفاعاً أمام الإنجازات التي حققت. ومن البداية رفضنا الإهانات والقدح بحق المقامات الدينية كافة والشتائم، إلا أنّ ثمة مدسوسين بيننا هم الذين يسيئون إلى صورة الثورة بكل ما فيها من جمال ومن وحدة وطنية وتكاتف".ويشير نهاد إلى ما حصل على جسر الرينغ وغيره من أحداث تسيء إلى الثورة وتنعكس سلباً على الحالة النفسية للشباب بسبب من اندسّ بينهم ليأخذ الثورة في طريق مختلف. "كان الرعب واضحاً في تلك اللحظات على الشباب بسبب ما حصل وهذا ليس مقبولاً. حرصنا من البداية على عدم حصول أية مشاكل أو خلافات بيننا. ابتعدنا عن كافة الأمور التي تؤثر سلباً علينا من تكسير وأذى وخلافات، وليس مقبولاً أن تحصل أمور من هذا النوع لتسبب كل هذا التعب النفسي للشباب وتخفف من عزمهم. نحاول ضبط الشباب حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة أمام ما يحصل. لكننا نضطر هنا إلى تحمل كل هذا الضغط النفسي فيما نكافح لوطن أفضل للجميع وتحقيق مطالبهم فنتعرض إلى حروب تؤذينا".

أمور كثيرة تزيد من حدة التوتر والضغوط النفسية على الشباب الذين يرفضون الاستسلام مهما كانت التحديات. "وصلنا إلى مرحلة من الفقر لم نشهدها يوماً سابقاً في لبنان. ثمة مشروع لإفلاس البلد كان حاضراً قبل الحراك ولا يمكن تحميل الثورة مسؤولية كل ما يحصل اليوم لزيادة الضغوط على الشباب. اليوم يبقى مطلبنا الاساسي حكومة من الاختصاصيين من الشباب القادرين على إدارة البلاد وتوجيهها نحو الأفضل، وهذا ما يعيد شبابنا إلى البلاد بدلاً من أن نخسرهم. كما ندعو إلى الانتخابات المبكرة والعمل على تحسين الوضع الاقتصادي الذي بات منهاراً. هذه مطالبنا الاساسية لنضع مشروعاً جديداً للوطن الذي نحلم به".من جهته، يتحدث هادي شحادة الذي نزل إلى الساحات منذ اليوم الأول للثورة، معبّراً عن حماسته عندما رأى أستاذه في الجامعة يتظاهر إلى جانبه، ما زاده دفعاً لتحصيل حقوقه وحقوق غيره من الشباب. "الإنجاز الاول والاساسي الذي حققناه هو إسقاط الحكومة، فلو لم نكن في الشارع لما استطعنا ان نحقق ذلك. هذا ما زادنا عزماً ورفع معنوياتنا. كما أن الإنجاز الثاني الذي ساهم في تحفيز الشباب الثوار هو تغيير تسعير بطاقات الهاتف الخلوي للاتصالات لتصبح بالليرة اللبنانية".

تصوير حسن عسل.

في مقابل هذه اللحظات التي زادت الشباب عزماً واندفاعاً وآخرها احتفائية ذكرى الاستقلال الرائعة، من الطبيعي أن يمر الشباب بمراحل من اليأس، لكن يؤكد شحادة أن الثورة لا تنتهي بأيام من اجل تغيير سلطة من 30 أو 40 سنة: "هذه المسألة تتطلب الكثير من الصبر والجهود لتحقيق الأهداف المرجوة ويجب ألا نستسلم سريعاً. إلا أن الخيبة لا تمس بنا هنا بل ما يشعرنا بالأسى هو أن نرى أبناء بلدنا يحاربوننا ويضربوننا بدلاً من الوقوف إلى جانبنا. كما ان أعمال التخريب مع بداية الثورة وما حصل على جسر الرينغ أيضاً من اللحظات التي نشعر فيها بالخيبة واليأس ولا يمكن التغاضي عنها".

شباب يسعى إلى التغيير في مواجهة الإحباط 

بحسب الاختصاصية في المعالجة النفسية جيزيل نادر، إن مرحلة الشباب هي مرحلة العطاء والطموح، وللشباب قدرات كبرى على تحقيق طموحاتهم سواء أكانت تعني الوطن أو العائلة أو الذات: "يحدد الشباب في هذه المرحلة أهدافهم على مختلف الأصعدة. كما يشعرون هنا بالقدرة على تحمّل المسؤولية بعد انقضاء مرحلة المراهقة وما فيها من صراعات. يشعرون بالقدرة على الانفصال عن الأهل وتحديد أهدافهم في مختلف المستويات والسعي إلى استكشاف معتقداتهم الخاصة وإثبات مدى صحتها. لكن في الوقت نفسه تبقى مشكلتهم اندفاعهم الزائد والتسرع أحياناً، وقد يواجهون الكثير من التحديات".

وعما يمر به الشباب اللبناني اليوم منذ ما قبل الثورة، تقول نادر إن ثمة صعوبات وتحديات كثيرة تعليميةً وصحياً ومهنياً واجتماعياً. وثمة حاجة لدى الشباب اللبناني لتحقيق ذاته في مختلف هذه المجالات ليثبت نفسه. "في هذه الحالة ثمة اتجاهان يمكن أن يمشي فيه الشباب من المنظار النفسي، فإما الإحباط والمشاكل النفسية أو بذل كافة الجهود لإيجاد الحلول الفضلى. كما قد تكون الهجرة الحل الافضل للبعض، سواء قرروا العودة أو لا. وفي ما يتعلّق بالشباب الغارق في الإحباط والمشاكل النفسية سواء في السابق أو خلال فترة الثورة، يلاحَظ شعور بالفراغ الداخلي والإحباط والخوف وعدم شعور بالأمان والقلق حيال المستقبل لاعتباره مجهولاً. تصل بهم الأمور إلى نوبات هلع ويعيشون في عزلة واكتئاب نشهدها بكثرة، ولديهم حنين دائم إلى ما يشهدونه لدى الشباب في بلاد أخرى".

أما بعد الثورة، فسواء كان الشباب المشارك من يعاني فيعبّر عن وجعه، أو من لديه أمل كبير بالتغيير وبتحقيق طموحاته، مما لا شك فيه، بحسب نادر، أن الشباب كان له الدور الأبرز في الثورة وفي الساحات، وقد فوجئ المجتمع حتى بدور الطلاب الأصغر سناً. "ففكر الشباب في الثورة مختلف تماماً عن فكر الأهل. والمشترَك بينهم أنهم لا يريدون عيش الحياة التي يعيشها أهلهم بل يريدون حياة مختلفة. فإما أنهم كانوا في مرحلة استسلام لفقدان الأمل أو أنهم كانوا يفكرون في الهجرة. فكانت الثورة الحل بالنسبة لهم ليحدثوا التغيير فيما هم يعرفون انهم من يقدرون على ترك البصمة الحقيقية في الثورة. أمامهم أهلهم الذين عاشوا نتائج الحرب وأرادوا ألا يستسلموا وأن يكونوا مختلفين. ما دفعهم إلى النزول إلى الساحات".

أما العنف والتدخلات السياسية التي حصلت في الثورة، فهي ما يسبب الاحباط لفئة من الشباب، بحسب نادر، خصوصاً مع الحرب الإعلامية والنفسية والشائعات التي قد تجعلهم يعتقدون انهم يساهمون في اندلاع الحرب. "بالنسبة لي، للشباب اندفاع يفوق ما للأهل لأنهم يجاهدون لتأمين ظروف حياة فضلى لأنفسهم. فهذا هو الحافز لهم. أما التدخلات غير السلمية في الثورة فإما أن ينجرفوا فيها أو أن يكون لهم الوعي الكافي حتى لا يغوصوا فيها. أعتقد ان جيل اليوم أكثر انفتاحاً وقد يكون له الكثير من الوعي والقدرة على التغيير. مع ضرورة أن يبقى الاندفاع وحب التغيير الحافز الاساسي ليتابعوا حياتهم ولا يغرقوا في الاكتئاب، وفي الوقت نفسه حتى لا تخرج الأمور عن سيطرتهم وينجرفون في المشاكل الحاصلة". في المحصلة، فئة كبيرة من الشباب تدرك اليوم أن "الاحباط ليس قدراً" مهما بلغت التحديات.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard