ضبع يضبط الوضع

22 تشرين الثاني 2019 | 21:28

تصوير مروان عساف.

لا اعرف إذا ما كنت وافيته فعلا كي اقصّ شعري. فأنا كنت مغرما بعروض مقصه وبقصصه تماما كغرامي بعروض "برودويز". ففي رقص مقصه في الهواء وارتطامه بأحراش شعري المبعثرة، وقع لا يفوّت. مغامرات مقصه كانت اشبه بمسرحية الدمى ورأسي كان ساحتها.

علّني وافيت اليه بحثا عن المتعة. فاللحظات التاريخية في الحياة تضيع ان لم تسجلها كاميرا او قلم او ذاكرة حلاّق. تضيع ان لم تستطع ان تعرف كيف تلقفها الناس كي تصير صفحة من كتابها. الحلّاق ينطق بلسان الناس. وقناته الإخبارية تضاهي محليا "الفوكس نيوز" فعالية.

وصلت. فبلّ شعري. واحاط رقبتي بمنشفة. وألبسني مريولا. فولجت الى عالمه. ولكل بلد وحانوت وحضارة ثيابها ومقامها.

وحمل مقصّه. شغّله في الهواء تحذيرا واستعدادا للانطلاق. ومن ثمّ بدأت المغامرة. فكانت البداية مع "سدوم وعامورة".

فقال: "هل سمعت بسدوم وعامورة وتماثيل الملح ولوط؟"

فأجبت بنعم.

وتابع:" ما ينتظرنا أكثر بكثير".

علا صوته كنبي. وتكلم كأنه يوحنّا في برية الأردن، فقال: "القصة اننا وضعنا بيضنا في سلال المصارف، والمصارف وضعت بيضها في سلال الحكومة. فصارت الواوية تأتي وتأكل البيض وتلتهم الدجاجات الذهبية. والدولة تستدين كي تؤمن مخزون الشعب من البيض. الى ان زاد الدين وصار الدائن يتحكم بالقن والدولة.

وتسألون عن الأموال... الا فابحثوا عن الواوي، انها لعبة بيض وقن وواوي".

فمازحته بالقول:" سمعت بانّ البلد بحاجة لقصة شعر، فهل تكون حلاقه؟".

فردّ سريعا جدا:

"أبلغهم رفضي وشكري المسبق. فالشعر شعر ماعز، وشعر الماعز يعطل المقص. ولا ينفع بشيء. الجداء لعنها الكتاب. انا لا اتعاطى المحرمات يا أستاذ. في البلد الكثير من الحلاقين. إذا ما سألوك أبلغهم باننا بعنا المقص والعدة. نعم قد قررت ان أكون "كلمنجيا"".

وامسك مقصه، وراح يجز بقايا شعر رأسي المتصحّر الا من بعض الاحراش من هنا وهناك.

فأجبته:

"لا اعتقد بانّ القضية قضية دجاج وبيض".

فتجمد مقصه في الهواء للحظات قبل ان يستعيد حيويته، فيقول:

"فتش عن النفط. فتش عن البحر. العم "سام" يا أستاذ صيّاد. يغويك ويوقعك عندما يرغب. عيون "ترامب" على "قورش" وتمدده على المتوسط. عيون "ترامب" تنطر الهيكل وبني داوود. عيونه على الغاز والقبضايات. المشي معه يكوي، والسير ضده ينهي.

اعتقدنا باننا ضحكنا عليه. وهو قد استدرجنا واوقعنا في فخنا".

وتابع:

"بلدنا مرهون. اغوانا البنك، فأقرضنا لنشتري ما لا يلزم. فصرنا ندين له، ونعمل عنده، وندفع له مما يلزمنا. دعم اذكياءنا ممن هم في الواجهة. أقنعنا بأنهم اصفياء وبأنهم نجحوا في التحايل عليه.

أكلوا كثيرا مما استقرضوا، واطعمونا معهم ولو قليلا. ونحن سررنا بالفتات. انتفضنا لما ما شحّ الاكل.

الكثير من الأموال التي اقترضناها منهم عادت فدخلت مجددا الى بنوكهم بالحرام وها هم يضحكون علينا وعلى الواوية ويعيدون اقراضنا إياها".

وصمت، فأستكان كل شيء، ومن ثمّ اقلع قائلا:

"النهم ولّد عجزا. فصرنا نستدين ونسدد كمبيالات.

سمعنا كلاما في الفساد، والفاسدون تبخروا.

انها النيو ليبرالية يا استاذ. نظريا ممتازة وتحقق الفعالية والوفر وتوزيع الثروات. ممتع الكلام عنها. وتظن دعاتها أولياء. هي فعلا جيدة لكن بالمقلوب. المشكلة، شبكة صرفها عطلت فصارت تطوف أموالا فوق. سارت كتلة الأموال بعكس الجاذبية.

آه على أيام زمان، اشتقنا للدولار يا عم "سام".

فدخلت في السكون وصرت استمع له كما لأستاذ محاضر، فأردف:

"نحن اليوم ساحة وغى ما بين بين "داوود" و"قورش"، و"قورش" و"ترامب.

العم سام يا معلم "مازن" ذكي للغاية. اذكى مما نتصوّر. خلق لنا "الفايزبوك" وكل ما يلزم، ففرحنا. والفايز بوك يعني الكتاب الذي لفايز. ومن يفوز بالعالم هو من يتسلط عليه. ففايز هو المتسلط الذي صار يملك كل شيء.

الله يستر فالجيوش الالكترونية على سلاحها. جنود "كركر" يتبادلون النيران مع ازلام "مرمر". تحبل هناك وتلد في الشارع. انكشفت لعبة الواوي والدجاجات والناس غضبت الكترونيا بداية.

المواجهة الكبرى صارت في الازقة. الناس تصرخ مطلبيا والدول الكبرى تستثمر إقليميا".

اختلط الحابل مع النابل في راسي. فأسكته، وقلت:

"بالله عليك "ضبع" ما كل هذا الكوكتيل؟

فنادى صبيه: "يا ولدا بسرعة احضر كوب ماء وسكر للمعلم مازن. فهو مصاب بدوار. فعلى ما يبدو وصل لتوه من المريخ او وقع عن "اليوبالا "".

وراح مقصه يراقص انامله، وهو يتأمل بوجهي وملامحي. رصدني ككلمنجي. رصدني كفنان.

وصار ينغم كلماته، مرتلا اياهم: " لوحيد القرن قرن يطوّع بالأخضر. ومن لا يأكل جزرا يأكل عصا. الدولار صاروخ. الدولار عصا. جيش الجيل الرابع يقلّب الاب على ابنه، والابن على ابيه. الأخضر والضوء والفايز بوك والمعطيات. وانت في يديك كمشة هواء وهراء.

تحبل عندهم، فتلد عندنا. ما بين "قورش" و"ترامب" غاز ونفط وعراك".

استرسل في الحديث كثيرا. فخفت على اذنيّ. فنهرته. فردّ مطمئنا:

" لا تخف استاذنا فرأسك في حفظنا وصوننا ".

وتابع مقصه مشواره النضالي، فغزا. واستكمل لسانه الانتفاضة حتى سمع صوت انفجار. فكان ان وقع ووقع مقصه ارضا. انها السلطة. لكنّ الانفجار كان انفجار طنجرة ضغط في مطبخ "كركر". وامتلأ الحي فاصولياء وعظاما واشاعات. وضجت صفحات التواصل الالكتروني بما هو صحيح ومغلوط من التحليلات والاخبار. اما انا فقد لممت نفسي وحملتها بعيدا عن السوق والحانوت، حاملا في رأسي جرحا بسيطا نتيجة هلع المقص وهرعه والانبطاح والتدافع.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard