نعم للثورة في القطاع المالي للخروج من لعنة الإقتصاد الريعي!

20 تشرين الثاني 2019 | 12:50

المتظاهرون وقوات مكافحة الشغب في وسط بيروت (تصوير احمد عزاقير)

إن الأزمة الإقتصادية والمالية التي يمر بها لبنان هي فرصة تاريخية لإعادة هيكلة الإقتصاد اللبناني برمته ليتحول نهائياً من إقتصاد ريعي بإمتياز إلى إقتصاد منتج؛ لأن بناء إقتصاد على قاعدة تصدير الطاقات البشرية وجذب الودائع من الخارج بالفائدة المرتفعة ألا وهو لعنةً اوصلت البلاد إلى ما هي عليه .

سبق وقدمت الحكومة اللبنانية تقريرماكينزي، الذي نُشِرَ في عام ٢٠١٨، كأداة توجيه استراتيجية. لكن هذا التقرير المُكَوّن من ١٣٠٠ صفحة هو عبارة عن مجموعة من البيانات والإحصاءات أكثر من كونه مجموعة من إقتراحات لتدابيرملموسة من الإمكان اعتمادها لتطوير الاقتصاد اللبناني.

من بين القطاعات الواعدة التي تم تحديدها ، يناقش تقرير ماكينزي قطاع الخدمات المالية دون تفصيل التدابير اللازمة لتطويره. علماً أنه، يجب تنفيذ العديد من الإصلاحات ، على المستويات الضرائبية والتنظيمية والقانونية ، لتمكين لبنان من أن يصبح مركزًا ماليًا رائداً.

النتائج الكارثية لتضخم الودائع المصرفية.

يُمثّل القطاع المالي حالياً ٩٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد ، ولكن حصة الخدمات المالية غير المصرفية ضئيلة جداً. إن الودائع المصرفية تعادل ٣٠٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي ، فإن لبنان ، الذي يتباهى بكونه يحتل الصدارة في المجال المالي، هو في الحقيقة من الدول القليلة في العالم التي لم تواكب التطورات العصرية وخاصةً صدارة الاعتماد على الأسواق المالية والصيرفة الاستثمارية في تمويل القطاع الخاص وناهيك عن الدين العام ، الذي يمثل الجزء الأكبر من الأصول المصرفية. ينتج عن تضخم الصيرفة التقليدية والمتخلفة هذه نظامًا يجعل من البنوك ومودعيها من جهة والقطاع العام من جهة أخرى رهائن لبعضهم البعض، وهذا الوضع يمنع التمويل الكفوء والمسؤول للقطاعات المنتجة. والأخطر من ذلك ، أن السوق المالية لم تعد قادرة على لعب دورها كرقيب وحسيب لسوء إدارة القطاع العام لأن المصارف مجبرة على مواصلة تمويل العجز المتزايد باستمرار إذا كانت تريد الحفاظ على نمو ودائعها.

لعب النظام المصرفي منذ فترة طويلة دورًا إعتبر إيجابيًا في تغطية عجز ميزان المدفوعات من خلال جذب الودائع ، إلا أنه يتبين الآن أن هذا الدور أصبح عبئاً على الإقتصاد اللبناني. وبالمقابل لم يصدر القطاع المصرفي إلا القليل القليل من الخدمات المصرفية بمعنى أنه لم يجني إلا القليل من ارادات تشغيلية من الخارج. منذ بداية الأزمة السورية ، باتت قدرة النظام المصرفي على جذب الودائع محدودة، حتى وصلت الأمور في بداية عام ٢٠١٩ إلى تراجع هذه الودائع. أما منذ بداية الإنتفاضة في الشارع تبين أن المودعين المقيمين والغير مقيمين يتسابقون على سحب أموالهم من لبنان .

إن الإرتكاز على جذب الودائع وتضخم ميزانيات المصارف لم يؤدي إلا إلى تشجيع الإقتصاد الريعي وتدمير القطاعات المنتجة من خلال زيادة الفوائد وعدم توفير السيولة للقطاع الخاص.

فك الإرتباط بين الدولار في لبنان والدولار في الأسواق العالمية

من بين النتائج التي أدى إليها التضخم الإصطناعي للقطاع المصرفي أزمة سيولة خطرة وتفكك للمنظومة المالية الحالية. إستفاق اللبنانيون على مشهد " غريب -عجيب " إذ تبين أن حساباتهم بالدولار الأمريكي لدى البنوك اللبنانية لم تعد مرتبطة بالدولار الأمريكي الأصيل، ولم يعد من الممكن تحويل هذه الحسابات إلى الخارج و/أو إلى دولارات نقدية.

وبالفعل، إن أي ايداعات بالدولار الأمريكي في البنوك اللبنانية ليس لديها إلا خياران إثنان إما أن تتحول إلى ليرة لبنانية بسعر الصرف الرسمي (1507.5)للتمكن من سحبها نقداً وإما أن تستعمل لإنجاز معاملات في السوق المحلية.

وفي هذه الحالة، تصب هذه الأموال في أخر الحلقة لدى المستوردين الذين بدورهم يحولونها إلى ليرة لبنانية بالسعر الرسمي لكي يتمكنوا من شراء الدولار لدى الصرافين بالسعر السوقي للدولار الأمريكي (يتراوح حالياً بين 1650- 1900 ).

يمكننا القول بأن الدولار في لبنان أصبح لديه سعر صرف مرتبط بقيمة الليرة اللبنانية في الأسواق الحرة. ولم يعد له إرتباط بالدولار المتداول في الأسواق العالمية.

الواقع الجديد رافعة لإقتصاد جديد

إن مقولة أن لبنان لا يمكن أن يكون بلداً مصدراً في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات مرفوضة كلياً. وعلى هذه القطاعات أن تنمو في السنوات المقبلة لتكون هي مصدر الدولارات الآتية من الخارج. ومن هذا المنطلق سيلعب تطوير قطاع الخدمات المالية والأسواق المالية في لبنان دوراً محورياً.

إن تطوير الخدمات المالية له هدفان اساسيان. الأول هو تزويد القطاعات الإنتاجية برؤوس أموال تستثمرعلى المدى الطويل. والثاني هو خلق فرص عمل من خلال تشجيع إنشاء خدمات مالية ذات قيمة مضافة عالية للمقيمين في لبنان عامةً والغير مقيمين خاصةً.

وما يمر به القطاع المالي من صعوبات يشكل فرصة تاريخية لتطوير الأسواق المالية المحلية بحيث يجب الإستفادة من الرساميل الموجودة كودائع مصرفية داخل لبنان والتي لم يعد لها منفذاً إلى الخارج.

فالكثير من المودعين سوف يرون في تمويل القطاعات الإنتاجية فرصة لتوزيع استثماراتهم المحبوسة في لبنان من خلال أدوات مالية محلية ذات مردودية أكبر ومخاطر أقل ؛ ما يفيد القطاعات المنتجة.

أما بالنسبة إلى الخدمات “الغير مصرفية” الموجهة لغير المقيمين علينا أن نسعى إلى جعل بيروت في يوم من الأيام مثل دبلن أو لوكسمبورغ أو حتى مركز دبي المالي العالمي، حيث تتوافر فرص عمل للعديد من الإختصاصات المالية والقانونية والإدارية.

إصلاح الإطار القانوني والمالي والتنظيمي

بالرغم من الاصلاح الأخير لقانون التجارة ، تبقى بعض القوانين غير ملائمة لاحتياجات الأسواق المالية وغيرها من الخدمات المالية الغير مصرفية. هنالك الكثير من الإصلاحات المطلوبة إن كان على صعيد النظام الضرائبي أو التنظيمات التي صدرت عن هيئة الأسواق المالية أو القوانين التي تقف عائقاً أمام تشجيع الإستثمارات الخارجية. فمثلاً من الملح تعديل قانون تملك الأجانب الذي كان ولا يزال عائقاً أساسياً لتدفق الإستثمارات الخارجية في المشاريع المنتجة. شرط ألا يسمح هذا القانون بتصفية الأصول العقارية وتوزيعها على المساهمين. فأي مشروع سياحي أو صناعي أو زراعي وازن بحاجة إلى أقل من ٣٠٠٠ متر مربع؟

وفي الختام، إذا كان ولا بد من سقوطٍ للهيكل، فلنبني هيكلاً جديداً ينتفع منه إقتصاداً منتجاً حقيقياً قوياً ومستداماً

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard