لكي تصبح الانتفاضة الشعبيّة مسارًا ثوريًّا

19 تشرين الثاني 2019 | 16:36

الانتفاضة الشعبيّة (نبيل إسماعيل).

تجاوزت روحُ الانتفاضة الشعبيّة العفويّة التي صهرت شرائح واسعة من اللبنانيّين من مختلف الطوائف، من شمال البلاد إلى جنوبها، إطار المطالب المعيشيّة التي هي في أصل اتّقادها، لتبلغ المطالبة بتغيير النظام نفسه، وإن على نحوٍ ملتبس. فالشعارات التي شاعت ورُفعت بحماسة لافتة، مثل: "كلّن يعني كلّن"، و"إسقاط النظام"، بالرغم من عدم جواز التعميم في الأوّل، من جهة، ومن جهة ثانية، قلّة واقعيّة الثاني، تُعبِّر بالعمق عن رغبة شعبيّة جامحة في تغييرٍ يطال النظام الطائفيّ القائم، ولا تقتصر على المطالبة بإزاحة السياسيّين الذين يشغلون مواقع المسؤوليّة بطريقة عقيمة وأنانيّة، أو محاسبة المتورّطين بسرقة المال العامّ فقط. فتلك الشعارات شملت كلّ الطبقة السياسيّة المرتبطة بالنظام الطائفيّ، كما والأحزاب التقليديّة التي تذكّر بزمن الحروب والتي لا تجد استمراريّة لها إلّا ضمن إطار النظام الطائفيّ. ولا عجب، أقلّه في فترة الانتفاضة الأولى التي تعبِّر عن صدق عفويّتها، في أن تكون الحشود قد رفضت كلّ وجودٍ حزبيّ أو سياسيّ حتّى مستقلّ، في صفوفها.

(نبيل إسماعيل).

تأتي هذه المطالبة بتغيير النظام الطائفيّ من عدّة عوامل، لعلّ أهمّها وعي اللبنانيّين حقيقة ارتباط الفساد ونهب المال العامّ وقلّة الاكتراث بالمصلحة العامّة والخير العامّ، بهذا النظام نفسه، لأنّه يقوم على التوازنات الطائفيّة، وبالتالي على المحاصصات التي تفتح الباب واسعًا أمام المحسوبيّات والزبائنيّة، وخدمة المصالح الفئويّة وكلّ أشكال الفساد، ويمنع أيّ محاسبة فعليّة للسياسيّين والمسؤولين في مختلف القطاعات العامّة. فضلًا عن أنّ ذاكرة اللبنانيّين مثقلة بالحروب والأزمات والمآسي الطائفيّة الطابع. ويُضاف إلى ما تقدّم أيضًا انفتاح قسم كبير جدًّا من شبيبة لبنان على قيم حقوق الإنسان والديموقراطيّة والفردانيّة التي تقاوم بديهيًّا كلّ نزعة جمعويّة أو روح أبويّة أو إقطاعيّة؛ وهي هذه الشبيبة التي كوَّنت نواة الانتفاضة الصلبة، وقد وجدت نفسها تعاني كثيرًا من تدهور الأوضاع الاقتصاديّة والخدماتيّة، إذ إنّ ثلث العاطلين عن العمل هو دون الــ35 عامًا، في بلدٍ أصبح الثالث عالميًّا لجهة مستوى الدَّين العامّ.

من الصائب إذًا أن تتّخذ مطالب الانتفاضة بُعدًا مطلبيًّا معيشيًّا، وبعدًا سياسيًّا مكمّلًا؛ فمن دون تغيير النظام، تبقى البلاد عرضة إلى الدوران في دوّامة الفساد. ولكن ما المقصود بتغيير النظام؟ وما هو السبيل إلى تحقيقه؟ لا يمكن، في الإطار اللبنانيّ، أن يكون ثمّة تغيير ثوريّ بمعنى وضع حدٍّ فوريّ لنظامٍ وإقامة نظام جديد مكانه. بل ما يمكن تحقيقه تغيير يحصل بطريقة تدريجيّة ومستمرّة تجعل البلاد تدخل في ديناميّة ديموقراطيّة فعليّة. فالثورة على أساس الانقطاع الفوريّ والجدّة المطلقة مستحيلة في لبنان، نظرًا إلى أنّ الخلفيّة الدينيّة تربط النظام الطائفيّ، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، "بلاهوت سياسيّ" ينزع إلى تغييب دور الإنسان في التغيير، وله وقعه الاجتماعيّ والسياسيّ وامتداداته الخارجيّة. وإذا كانت روح الانتفاضة أظهرت إمكانيّة التغيير بقرار إنسانيّ صرف عابر الطوائف انطلاقًا من حاجات المواطنين الأساسيّة، فإنّ تغيير النظام يجب أن يمرّ بإعادة موضعة "اللاهوت السياسيّ" تبعًا للمثل الديموقراطيّة، وهذا يحتاج إلى تبصّر تحاشيًا لوقوع انقسامات حادّة داخل المجتمع قد تكون عواقبها وخيمة. فالمرحلة المقبلة، بفضل استمرار الانتفاضة، ستُطبع بنزاع بين المتمسّكين بنظام قديم انحرف بتزايد منذ اتّفاق الطائف إلى ممارسة سياسيّة لا تفكّر في الوطن ومصالحه إلاّ من زاوية طائفيّة-إقطاعيّة تُسخِّر الدِّين ورموزه، والطامحين إلى نظام جديد ديموقراطيّ الملامح، ولكن يحتاج إلى وقتٍ ليتّخذ مكانه من خلال النقاش مع أنصار النظام القديم.

(نبيل إسماعيل).

غير أنّ هذا الطموح يضعنا أمام تحدِّيَين رئيسيَّين: الأوّل، ضرورة الانتقال من حالة الانتفاضة الشعبيّة العفويّة إلى مسارٍ ثوريّ واعٍ وجهته، من دون أن يتحوّل حزبًا سياسيًّا، فيبقى حركة شعبيّة لا رأس لها ولا إيديولوجيا، وهذا يفترض الحفاظ على روح الانتفاضة بغية تطويره؛ والثاني، أن يُنتهج الطريق الثوريّ الذي يحقّق قيام النظام الجديد من خلال تجاوز النظام القديم تدريجيًّا بطريقة سلميّة.

كيف يمكن الحفاظ على روح الانتفاضة وتحويله إلى مسارٍ ثوريّ؟ لا بدّ، في هذا السياق، من التنبّه إلى عدم الوقوع في فخّ الاكتفاء المتمثِّل بالشعور بالانتصار الظرفيّ، مثل تقديم الرئيس الحريري استقالة حكومته، أو تأليف حكومة تكنوقراط، أو، لاحقًا، إقرار بعض الإجراءات القضائيّة المتّصلة بملاحقة المتورّطين بالفساد، وسنّ بعض القوانين الاقتصاديّة والماليّة والبدء بتنفيذها؛ ومن ثمّ، تحاشي خلق فراغ يمكن أن تملأه بسرعة الأحزاب السياسيّة التقليديّة التي تبقى منظّمة تنظيمًا جيِّدًا وتحترف طرق توظيف الأحداث لصالحها، والتي التحق بعضها بفعاليّة في الانتفاضة. ولكن إذا كان يجب تجنّب الفراغ، لا يمكن العودة إلى قطع الطرق وسيلة إثبات استمراريّة الانتفاضة وقوّة ضغطها على السلطة، لأنّ الأمر سينقلب عليها في النهاية مع اشتداد مخاطر الانهيار الماليّ والاقتصاديّ وخلق حالة فوضى عارمة. وفي الوقت عينه، لا يمكن الاكتفاء بالاعتصام في بعض الساحات، لأنّه لا يكفي لخلق مسارٍ ثوريّ فعّال، بالرغم من أهميّته. لذا، يبدو التنوّع في طرق التعبير عن روح الانتفاضة الوسيلة الفضلى للمحافظة عليه وتحويله إلى مسارٍ ثوريّ في آنٍ واحد. ويشمل التنوّع حقول الفنون المختلفة، والإعلام، وخلق فسحات للنقاش العامّ بشأن وسائل دمقرطة النظام الطائفيّ، وتطوير مفهومَي الخير العامّ والمصلحة الوطنيّة في ضوء موقع لبنان الإقليميّ والدوليّ، لا في بيروت وحدها، بل في باقي المناطق اللبنانيّة أيضًا. ولا شكّ في أنّ مسؤوليّة كبيرة تقع على عاتق المدارس والجامعات في هذا السياق، إذ إنّها قادرة على الاضطلاع بدور أساسيّ في تحفيز هذا التنوّع بشقّه الفكريّ الثوريّ. وفضلاً عمّا تقدّم- وهذا ضروريّ جدًّا في مرحلة التحوّل- وضع طرق فعّالة لمراقبة عمل الوزارات والمؤسّسات العامّة والبلديّات، وغير ذلك. فمن خلال هذه النشاطات، يزداد انتشار روح الانتفاضة بنفسٍ ثوريّ، ويتحوّل إلى رحمٍ تخرج منه أحزاب وحركات جديدة تغيّر تدريجيًّا المشهد السياسيّ والوطنيّ برمّته.

خلقت الانتفاضة فرصةً ذهبيّة للنهوض بلبنان يجب ألّا نضيّعها. لقد وعى قسم كبير من اللبنانيّين، ومن الشبيبة بوجه خاصّ، أنّ حريّتهم الحقيقيّة وعيشهم بكرامة لا يأتيانهم من نظام طائفيّ فُرض عليهم، وله خلفيّة مقدّسة لا تُمسّ، بل يأتيان من قدرتهم على صياغة مجتمعهم على أسس حديثة قوامها العدالة والشفافيّة والديموقراطيّة. لقد بات اللبنانيّون قادرين على النموّ بحريّتهم الحقيقيّة من خلال القوانين التي يضعونها هم لأنفسهم، في ضوء ما يحقّق خيرهم العام وكرامة العيش لكلٍّ منهم، وليس انطلاقًا ممّا يؤمِّن توازنات طائفيّة ومذهبيّة لا تستفيد منها إلاّ النخب الحاكمة. لقد خطى اللبنانيّون في 17 تشرين الأوّل 2019 خطوة كبيرة في هذا الاتّجاه، عسى أن تتبعها خطوات أخرى.

أستاذ في جامعة القديس يوسف

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard