المحكمة الخاصة بالجرائم المالية مهزلة

18 تشرين الثاني 2019 | 15:38

الثورة لن تخمد (حسن عسل).

في عام 2005، خُيِّل إلينا بكل سذاجة أننا سنتمكن، مع انسحاب القوات السورية، من بناء بلدنا من جديد بعيداً من الفساد، وأن الإنسان في لبنان سوف يستعيد كرامته كاملة. وكنّا مستعدّين، لما نحن عليه من طيبة، للعفو عمّا مضى، ومسامحة المسؤولين الذين نهبوا مقدّرات الدولة على مدار سنوات طويلة فأمعنوا إفقاراً في الشعب مالياً وفكرياً.

في عام 2019، بعد نحو 15 عاماً، لم يتغيّر شيء... كل ما في الأمر أنهم أعادوا تقسيم الجبنة وتوزيعها في ما بينهم لاقتسامها أيضاً مع الأفرقاء السياسيين المسيحيين الذين جرى إقصاؤهم من الحكم طوال مرحلة الاحتلال السوري. واليوم، نجد أنفسنا في مواجهة سلطةٍ هي من الأكثر فساداً في مختلف الوزارات.

لقد استعدنا الأمل بعد 17 تشرين الأول، إنه الأمل ببناء مداميك بلادنا من جديد، بعدما كنّا قد اعتقدنا أننا خسرنا وطننا نهائياً بسبب الفساد والطائفية. سوف نناضل كي لا نذعن بعد الآن، مع ما تبقّى لنا من كرامة، للإذلال اليومي الذي تُعرِّضنا له هذه الطبقة السياسية المتعجرفة والفاسدة.

وها أنتم تلجأون مجدداً إلى أساليبكم المعهودة، فتلوّحون لنا بشبح الحرب الأهلية. ألصقتم بنا صورة البلطجية في الشارع، وألقيتم علينا مواعظ عن الحريات (حرية التنقل)، وعن اللغة التي نستخدمها (الشتائم التي لا تليق بشخصكم)، وحتى عن انتمائنا (دمى السفارات). ولكن ذلك كله لم يؤثّر فينا على الإطلاق، لأنكم، في نظرنا، مراوِغون عديمو الضمير، منحطّون فاقدون للأخلاق والقيَم، ولصوصٌ وقحون.

والفساد قد يكون واضحاً أو مستتراً، ويمكن أن يؤدّي إلى إثراء غير مشروع بطرق مباشرة أو عبر استغلال السلطة (شركات مملوكة من مسؤولين سياسيين تُبرم عقوداً مع مؤسسات حكومية أو حتى مع أفرقاء سياسيين آخرين يدين لهم هؤلاء المسؤولون بالولاء السياسي). ولا يستطيع أي زعيم من زعماء الأحزاب السياسية النافذة أن يدّعي أنه برّاء من تهمة الفساد. فالشعب يعي تماماً أنكم تمكّنتم جميعاً دون استثناء من تكديس ثروات شخصية طائلة – وبعض هذه الثروات نجحتم في إخفائه أكثر من سواه، بحسب درجة النفاق لديكم – ولكن لم يعد بإمكانكم أن تقنعونا بأن ما تملكونه من ثروات وأراضٍ هو نتاج اجتهادكم وكدّكم في العمل... لو كنتم بارعين إلى هذه الدرجة في إدارة الأمور وتسييرها، فكيف تُفسّرون إذاً أن جميع الوزارات التي تسلّمتموها قد أُفقِرت من دون أي تحسين في الخدمات التي تُقدَّم إلى المواطنين؟

وماذا بعد؟

ما زلتم تحاولون تلميع صورتكم من خلال رفع السرّية المصرفية عن حساباتكم (وقمة النفاق أن بعضكم يدّعي بكل وقاحة أن لديه ديوناً)، وإيهام اللبنانيين بأنكم ستصوّتون على قوانين لمكافحة الفساد في الجلسة المقبلة لمجلس النواب! لن أتطرّق إلى قانون العفو العام الذي يُجمع الكل على رفض مضمونه غير السليم، ولكنني سأتحدّث عن قانون إنشاء محكمة خاصة بالجرائم المالية... علماً بأن مجلس النواب، أي الأفرقاء السياسيين في السلطة هم مَن سيتولون تعيين أعضاء هذه المحكمة (يا لها من سخرية، هؤلاء الأفرقاء يختارون بأنفسهم الأشخاص الذين سيتولون محاكمتهم)؛ ومن أجل رفع دعوى أمام هذه المحكمة للنظر فيها، يجب أن يتقدّم بها عشرة نواب أو سلطة إدارية خاضعة لسيطرتكم، أي التفتيش المركزي أو ديوان المحاسبة (وكلاهما معرّضان للمساومات السياسية التي لا تكفّون عن إدارتها بأنفسكم). والحكم الصادر عن هذه المحكمة سيكون مبرَماً ولا يمكن الطعن به قضائياً (أي إن القضاة الذين سوف تعيّنونهم بأنفسكم سيقومون بتبرئتكم على نحوٍ حاسم ونهائي)... لمن لم يتابعوا بينكم دروساً في التربية المدنية (لا حاجة إلى دروس في القانون والحقوق لتبيان الأمر)، هذه المحكمة منافية لركيزة أساسية من ركائز الديموقراطية، ألا وهي الفصل بين السلطات... يجب أن تكون السلطة القضائية مستقلة عن السلطتَين التشريعية والتنفيذية كي تتمكّن من ضبطهما وإدانتهما عند استغلال النفوذ وارتكاب مخالفات! الهدف من هذه المحكمة هو بكل بساطة التضحية ببعض النعاج السوداء من الماضي وإنقاذ ذئاب الحاضر من الوقوع في شِباك العدالة!

وفوق ذلك كله، رئيس الجمهورية هو مَن اقترح إقرار قانون لإنشاء المحكمة الخاصة بالجرائم المالية، علماً بأنه الشخص الوحيد الذي كان البعض لا يزال يكنّ له شيئاً من الاحترام (ولّى زمن الانبهار)... لم يعد يهمّنا إذا كان رئيس الجمهورية محاطاً أم لا بأشخاص يمارسون تأثيراً سلبياً عليه، وهذا لا يُلغي مطلقاً أن شعار "كلن يعني كلن" يشمله هو أيضاً.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard