انتفاضة ووصية

15 تشرين الثاني 2019 | 17:51

الوجع (مروان عساف).

ما أسرني اليوم يا ولدي كان مشهد وداع الأم والطفل لرب العائلة. فكأنّ الرصاصة التي طالت علاء رسمت الحد الفاصل بين السلم والحرب، وما بين الواقع والمرتجى. فقررت أن أسطّر لك يا عزيزي هذه الكلمات:

"ما عساي أقول لك يا ولدي؟ أأتلو عليك حكايا وطني الصغير، وحكايا بلدي الكبير التي لا تنتهي، وحكاياه مغمّسة بوجع أهلي، وبعِوز الفقراء، وبمرارة الشباب، وبدموع الزوجة والأولاد على أبٍ انتفض فأُردي برصاصة؟

ما عساي أقول لك يا بنيّ وقد سألتني عن الناس والبلد والانتفاضة؟

البارحة يا ولدي كانت عيوننا مسمّرة على الشارع. كنت أسير مع الناس أستنشق رائحة الساحات. شعرت حينها بأنّ بلداً جديداً ترسمه أجسام نديّة بدأ يظهر. شعرت بأنّ الناس استفاقت من كبوتها. شعرت بأنّ الحلم استفاق، ومن دون الأحلام تنكسر الأوطان وتموت. ارتعشتُ إذ شعرتُ بخفقان القلوب وزحمة الأحلام تملأ الكون. استفاقة الحلم، استفاقة النبض وعودة حياة.

الناس حلُمت ببلد يشبه تطلعاتها، وهذا حق لا بل واجب. واجب الحياة أن تنتفض على الرتابة والموت. لكنّ الدماء يا ولدي تقلقني. أخاف من نهر الدماء. أخاف أن تمطر السماء دماء. فثمة من يقطفون الأحلام ويلتذّذون بالدماء. ولا تنتقل السلطة إلا على بحارها.

اليوم يا عزيزي أضأت وإياك شمعة عن روح علاء وعلى نية الناس ووجعها وأحلامها. فأنا أخشى العنف يا بنيّ لأنه يدخلك في دورة لا تنتهي.

لو قدّر لي يا ولدي أن أحمل البلد وأرزه وأضعه بعيداً عن الشرق الأدنى ونفطه وصراعاته ونيرانه لفعلت. لو قُدّر لي أن أجعل من المدفع قلماً ومن القنبلة باقة ورد، لما تأخرت.

لو قُدّر لي لما تأخرت. لو قُدّر للخير أن يسود على هذا العالم لكان مختلفاً.

تباً، لا تنفكّ الجغرافيا تلاحقنا لعنة يا ولدي، حتى في عصر العولمة.

من قال إنّ عصر العولمة ألغى الحتمية الجغرافية، من قال إنّ الجغرافيا ما عادت تؤثر على مصائر الشعوب؟

درستم في الجغرافيا أنّ موقع لبنان صنعه، وأنا أقول إنّ موقعه دمّره ويدمره ويجعل منه خزّان أحزان.

الناس في الشارع تصرخ طلباً للعدالة والرحمة والنظافة، تصرخ طلباً للرغيف وفرص العمل. تنتفض سائلة غداً ووطناً أفضل. وهم ينظرون إليها كوسيلة ضغط وتطويع وتغيير لتحقيق أجندة. الناس تطلب الحياة، ومن يستثمر له مصالحه.

من قال إنّ ثورة الاتصالات أزالت الطغيان وفتحت فرصاً لا تنتهي؟ إنّ هذا صحيح في بعض الجوانب، إلا أنها خلقت عبودية جديدة وحصرية جديدة وإقطاعاً جديداً.

اعتقدنا أنّ العبودية انتهت مع الألفية الثالثة. دخلنا العالم الرقمي ولم ندرك أننا نتحوّل أرقاماً. اكتشفوا مزايانا وخصائصنا وأمزجتنا وسيكولوجيتنا. اكتشفوا أسرارنا ومكامن قوتنا وضعفنا. وصار ذلك موادَّ للبيع. سُخّفت الحرية يا ولدي.

قل لي كيف تكون حراً في خياراتك وأنت تفتقر إلى المعطيات؟

كيف تكون حراً في ما تقوم به، وكل شيء فيك معروف ومكشوف من خصائصك وصولاً إلى نزواتك وأمزجتك؟

عُرينا في عالم الوهم سهّل لهم التحكم بنا في عالم الواقع عن قرب وعن بعد.

تباً يا ولدي على كل من تآمر وجعل من جبل اللبان ساحة. تباً لأننا تعاملنا مع بلدنا كنزلاء وليس كأبناء.

كنت أتمنى لو أستطيع أن أطير بالبلد بعيداً يا عزيزي، لكنني لا أستطيع، فالبلد متجذر في هذه الأرض وآلامها وقضاياها وإنسانها وتاريخها.

كنت آمل أن أطير بك وبأخيك وأختك وأمك وكل العائلة إلى أرض بعيدة وغريبة. لكن لا...

نعم ليس من الجيّد يا صغيري أن أطير بكم بعيداً إلى أرض غريبة. فأرسم لكم بلداً من حكايا أهلي. بلد كالذي ارتسم في خيالي معطر بشدو جدتي ودمع أمي وطلة جدي ونكهات الناس، أناس الخير والنور الذين طبعوا خيالي. لكن لا لأنّ الرسم يبقى رسماً. وما بين الواقع والرسم وهاد تضيع فيها حتى الجيوش الرقمية. فتحدّينا أن نبقى ها هنا ونجاهد كي يصير الواقع قريباً من رسمنا وآمالنا.

لن أطير بكم خوفاً وهرباً. وأنا ما تعودت الهرب من الاستحقاقات. فلنحاول أن نتسلّق الجبال وننشد للحياة أغنية جديدة.

أقف اليوم مسمّراً أمام التلفاز يا بنيّ، وأتذكر صفّارة جدي الياس في عزّ الحرب تهزّ الناس وتذكّرهم بهيبة الدولة والبلدية. أقف وأشعر بأنّ الهيبة مفقودة. الهيبة. فهي لا تتجزأ.

لا أحسدكم على هذا العالم الذي تكبرون ونكبر فيه يا صغيري، وقد امتلأ صخباً ووهماً.

عالمنا كان أطفالاً يتراقصون في الأزقّة. فتكبر بهم وتتحرك بهم البلدات والقرى والمدائن. شاشاتهم كانت من واقع. وأبطالهم كانوا من لحم ودم. وهم كانوا لاعبين حقيقيين يتأثرون ويؤثرون. أما عالمكم فافتراضي. تؤثر بكم جيوش افتراضية تعمل لدى المجهول. ترفدكم بأطنان من المعلومات تغيّركم ويصعب التأكد من صحتها. أما نحن فكنّا نمتلك منها ما يلزم.

عادت الإقطاعية التي لم نتخلص منها بعد. صارت عالمية. ومن يتحكم بالشبكات ويمتلك المعلومات والمعطيات يسيّر العالم.

كان الإنسان يحيا بالمحبة فصار يحيا في الفرضيات. صرنا نحب ونُغرم في الوهم ونعيش ونموت في العالم الافتراضي. نلبي الدعوات هناك. نقيم هناك ونحن أموات هنا.

عالمنا يا صغيري كنّا نمتلكه. أما عالمكم فيمتلكم. ألا فتعالَ معي كي أُخرجك من هنا وأُدخلك إلى عالمي يا ولدي، حيث الناس في بالي من نور. وحيث الخير ينتصر غالباً على الظلام. في أيامنا كان قادة المعارك معروفين، وساحاتهم معروفة. أما اليوم فنحن نعيش في زمن القادة المجهولين والأعداء المستترين. عدوُّك مستتر. ونستهلك أطباقاً من مطابخ مجهولة.

لا يجذبك العالم الافتراضي كثيراً لأنه يبقى وهمياً. يبقى نافذة. ولا أحد يدخل إلى الحياة من شاشة حاسوب. فللحياة أبوابها.

بشر حقيقيون نحن ولسنا شخصيات افتراضية. أبناء العليّ نحن ولسنا شخصيات وهمية. مؤتمنون على الحياة نحن. فلنبقَ في الحقيقة. ولنبارك العالم بعرقنا ونضالنا وحبنا. الناس تبارك الأوطان والأزمنة. العالم الافتراضي نافذة ومن يدمن على البقاء مسمّراً في النوافذ ترفض استقباله البيوت والأبواب.

أسأل العليّ أن يعطيك روح التمييز، فتجعل الافتراضي في خدمة الحقيقة. وتتحقق من الأخبار والمعطيات. فتلتهمها ولا تلتهمك. ولا تجرفك السيول إلى بحار تجهلها. فلنصلِّ كي يقصّر من يسوس الكون هذه الأيام. فلنصلِّ من أجل لبنان وعائلتنا وأهله الطيبين.

تعرفوا على فسحة "حشيشة قلبي" (Hachichit albe) المتخصّصة في الشاي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard