لا أحد يمثّل "الثورة" و"الانتفاضة الشعبيّة" ولا أحد يمثّل "الحراك المدنيّ"

12 تشرين الثاني 2019 | 11:29

قبضة الثورة (النهار).

قرأتُ في الصحف ووسائل التواصل أنّ مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجيّة الفرنسيّة كريستوف فارنو يزور لبنان، وأنّه لا يحمل مبادرة، بل هو مكلّفٌ استطلاع الوضع في لبنان ولقاء مسؤولين في الحكومة وقوى الحراك، وإبداء الرأي حول إمكان أنْ تبادر فرنسا الى وساطة أو مهمّة.

وقرأتُ أنّ الموفد الفرنسيّ طلب مواعيد لمقابلة الرؤساء الثلاثة وبعض السياسيّين، وأنّ سفارة فرنسا في بيروت أعدّت له لقاءات مع ممثّلي الانتفاضة الشعبيّة، على أنْ يَعقد اجتماعَين، الأوّل مع مجموعة تمثّل المجتمع المدنيّ، والثاني مع مجموعة من الخبراء الاقتصاديّين والماليّين.

وقرأتُ أنّ اللقاءات ربّما تشمل مندوبًا عن جمعيّة "كلّنا إرادة" التي تضمّ مجموعة من رجال الأعمال اللبنانيّين تربطهم علاقاتٌ قويّة مع الحكومة الفرنسيّة، وكانت جمعيّتهم الجهة الوحيدة غير الحكوميّة التي سُمح لها بالمشاركة في مؤتمر "سيدر" في باريس؛ إضافة إلى ممثّلين عن "حزب سبعة" و"المفكرة القانونيّة" و"لِوطني".

مشكورةٌ فرنسا، لأنّها تخاف فعلًا على لبنان، ولأنّها فعلًا تريد لملمة الأمور اللبنانيّة، ولأنّها معنيّةٌ بالبحث عن حلول الحدّ الأدنى في هذه البلاد، قبل وقوع المحظور، ووقوع ما لا يمكن الرجوع عنه.

مشكورةٌ فرنسا دائمًا وأبدًا، لمواقفها التي تبتغي الخير لدولة لبنان، ولسيادته واستقلاله.

لكنْ مهلًا.

لا بدّ، هذه المرّة، هذه المرّة بالذات، وخصوصًا، من لفت أنظار سفارتها هنا، وديبلوماسيّيها، إلى أنّ الخوف على لبنان والعمل على إنقاذه شيء، وإلى أنّ لملمة الأمور، ربّما كيفما كان، وبأيّ طريقة، من خلال تجميع المتناقضات والمتنافرات والمستحيلات، وأيضًا من خلال استدراج عروضٍ لعقد لقاءاتٍ مريبة مع "ممثّلين عن الانتفاضة الشعبيّة" و"المجتمع المدنيّ"، فهذا شيءٌ آخر تمامًا، لأنّه سيّئ النيّة تمامًا، في اللحظة الثوريّة والتاريخيّة الراهنة، ولأنّه سيصبّ في مصلحة السلطة اللبنانيّة القائمة، وأطراف الطبقة السياسيّة، ويندرج في سياق تفخيخ الثورة وانتفاضة الجياع الأحرار، ووأدها.

باختصار مفيدٍ وحاسم: يستطيع الموفدون الدوليّون (الفرنسيّون هنا) أنْ يزوروا لبنان، في كلّ حين، وأنْ يلتقوا المسؤولين اللبنانيّين، ليتحاوروا وإيّاهم في الشؤون والقضايا المختلفة، وخصوصًا في المسائل المشتركة التي تهمّ هذا الطرف وذاك، وتشدّ الأواصر، وترسّخ مفاهيم الاستقلال والسيادة، وتنمّي المصالح الاقتصاديّة والثقافيّة المتبادلة. هذا متعارفٌ عليه في العلاقات الدوليّة، فكيف بالعلاقات بين دولتَين كفرنسا ولبنان، يربطهما الكثير الكثير ممّا لا حاجة إلى شرحه.

في هذا المعنى، وفي هذا الإطار، ليس من المستغرَب أنْ يزور المسؤول الديبلوماسيّ الفرنسيّ لبنان، في هذه المرحلة الحسّاسة والعصيبة والخطيرة. بل هذا أكثر من طبيعيّ.

لكنّ المستغرَب في المسألة، بل المستغرب جدًّا وكثيرًا، بل المستهجَن أيضًا وخصوصًا، أنْ تروّج الدوائر الديبلوماسيّة الفرنسيّة، ووسائل الإعلام المختلفة، للقاءاتٍ مع "ممثّلين عن الانتفاضة الشعبيّة" و"الحراك المدنيّ"، وأنْ تسمّي أسماءً وأطرافًا بالأسماء.

باختصارٍ حاسمٍ ومفيد:

كلٌّ يستطيع أنْ يلتقي مَن يشاء، وأنْ يفعل ما يشاء، في حدود السيادة، والكرامة الوطنيّة.

لكنْ مهلًا. وبقوّة. وبحزم.

لا أحد يمثّل "الانتفاضة الشعبيّة"، ولا أحد يمثّل "الحراك المدنيّ".

على الهامش: أصدر كلٌّ من "بيروت مدينتي" و"تحالف وطني" بيانَين توضيحيّين، في هذا الشأن.

"بيروت مدينتي" اعتذرت عن "عدم تلبية الدعوة التي وجِّهت إلى عدد من أعضائها انسجامًا مع إيمانها المطلق والثابت بسيادة الدولة اللبنانيّة، وأنّ هذه الثورة هي ثورة اللبنانيّات واللبنانيين حصرًا، وانطلاقًا من اقتناعها بأنّنا ملتزمون وقادرون على بناء دولة من دون أيّ "مساعدة" أو وساطة أو تدخل خارجيّ، وانّ مطالب الناس والثوّار واضحة لا حاجة إلى تفسيرها خارج الشارع والساحات".

"تحالف وطني" استنكر من جهته في بيان، الزجّ باسمه في هذه المسألة، وأكد "أنّه لم يجر أيّ اتصالٍ بالموفد الفرنسيّ ولا علاقة له لا من قريب أو بعيد بهذا الأمر، كما أنّه يحذّر ويندّد بأيّ اتصالٍ به من أيّ مجموعةٍ أو فردٍ في الثورة بادّعاء تمثيلها، فالثورة لا ممثّل لها إلّا نفسهامن جهة، ولأنّ التحالف يرفض ويدين أيّ تدخلٍ في شؤون لبنان الداخليّة من أيّ جهة كانت".

وأصدر "حزب سبعة" بياناً قال فيه "بعد الشائعات التي تعمد السلطة إلى نشرها لتشويش الرأي العام، يهمّ حزب سبعة التأكيد أننا لا نلبّي دعوات إلى أيّ اجتماعات مع أيّ سفارة بشكل عام وخصوصًا في هذه المرحلة الدقيقة، وما يُنشر من أخبار متعلقة بهذا الشأن هي عارية عن الصحة ومفبركة للإيحاء بدعم خارجيّ ما لثورة الناس. نحن مستمرون إلى جانب الناس إلى حين تحقيق جميع المطالب".

Akl.awit@annahar.com.lb

ملحم خلف لـ"النهار": لفصل السلطات وحكومة متجانسة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard