لفّافةٌ وسبعٌ وديموقراطية

8 تشرين الثاني 2019 | 15:43

الشعب أقوى (حسن عسل).

لم يكن سبع الغاب فيلسوفاً ولا منظّراً معروفاً، إنما سائق تاكسي عجنته الأيام وخبزته. ما أحببت به يا ولدي كانت عينيه الغارقتين عميقاً في وجهه، وشاربيه اللذين باستطاعتهما استضافة نسر إن شاء أن يأخذ قسطاً من الراحة في مشوار تجواله البعيد بحثاً عن الربيع.

سُمِّي سبعٌ سبعاً لأنه كان يحرص على الحفاظ على كل حيوانات غابته وبخاصة القردة، كما كان يقول. فالناس وفق نظريته ترجع قردة خائفة عند الأزمات، فتتجمع كي تواجه بعضها البعض.

جلست. وجلس سبع الغاب على كرسيه، وصدره التصق بظهر الكرسي. اختلطت رجلاه بأرجل الكرسي. فصار والكرسي واحداً. بسط شاربه بيديه اللتين بلّلهما ببضع قطرات من لعابه. جلس وجلست، وأوراق الخريف المتساقطة من حولنا تحركها مشروعات رياح تنذر بقدوم شتاء صار على الأبواب.

فسألني: "هات قل لي، أيستوي من يملك مع من لا يملك في هذه الدنيا يا أستاذ؟

هل لكلمتي مفاعيل كلمة "جوجو آغا"؟

يتكلمون عن الديمقراطية. وهم يسوقون للناس سراباً لا يؤكل، وبضاعة لا تباع وتشترى".

فصمتُّ. وذهلتُ.

رغبت أن أجيب، إلا إنه تابع كلامه. فاستكنتُ منصتاً لكن على سلاح كلمتي.

وتابع: "الديمقراطية يا أستاذ سراب. والصوت لا يساوي الصوت إلا ورقياً. صوتي لا يتساوى مع صوت "جوجو آغا" إلا نظرياً. فثمة وهاد وجبال بين قدرتي الشرائية وقدرته. ثمة مؤنة تنقص كي ينمو صوتي، فيصير عالياً يصدح. وتصير كلمتي بوزن جبل، ومفعولي بحجم مفعوله. صوته أقوى وأبلغ وأفعل. صوته يغيّر ويهزّ لأنه يرتكز على ثروات وعلاقات وإرث.

لا يتساوى صوتي مع صوته إلا في حفيف سقوط ورقتي في صندوق الاقتراع. وورقتي تسقط مصروعة. أما ورقته فتزهر وتصير مصدر خير عامر له ولقبيلته. كيف أحاسب وأنا غارق في الديون؟ أثور ومن ثمّ أغفو. أخشى الخروج من شرنقتي مخافة أن تلتهمني القردة الأخرى.

الديمقراطية سراب. والناس تتساوى في الموت. الديمقراطية حبر لم يجفّ على ورق مفقود. غياب المساواة سرقت الديمقراطية معها بعيداً. الوهدة تزيد بيننا وبين "جوجو آغا". الوهدة تلتهم توزيع الثروات" .

تركته يسترسل، لكني لفتُّ نظره إلى ضرورة أن يصير صوته صوت الحق، فيمسي صوت الناس. فيدوي ويغيّر. وأبلغته بأنّ صوت الحق لا يخرج إلا من الأفواه الحرة والأجساد المتحررة.

فأجاب:

"بالله عليك يا أستاذ أبلغني، كيف يمكن للجائع أن يكون حراً، فيتحرر من سطوة الخبّاز؟

خياره معروف، فهو سينتخب الخبّاز.

كيف يمكن للمعوز أن يكون حراً في انتقاء من يريد؟

فهو حتماً سينتخب من وعد بأن يمدّه بالعون.

كيف يكون المهدد حراً؟

فهو حتماً سينتخب من يشعره بالاطمئنان.

كيف يكون العاطل عن العمل حراً؟

فهو سينتخب المقتدر الذي وعده بفرصة عمل، بدون أدنى شك.

الساسة يا استاذ بائعو أوهام وآمال بغالبيتهم. أرجو أن لا تكون منهم. والأزمة بأنّ بضاعتهم أساسية لاستهلاكنا الآن وغداً. نبحث عنهم ونستهلك وعودهم، خوفاً من يومنا. أدمنّا عليهم لأننا نستلذّ بوجع واقعنا. نخشى أن نخسر سوادنا وأن لا نربح بياضاً. نخشى أن نغيّر عادتنا ومن "غيّر عادته قلّت سعادته".

بدا خائفاً من كل شيء. حتى أنه وبعكسي بدا غير متحمس لتشكيل حكومة جديدة... أبدى خشية من أن تنصاع الحكومة العتيدة لرغبات النخبة العالمية والمحلية وشروط البنك الدولي. فتقرّ "فرماناً" ينص على ضرورة إخلاء المواطنين لبيوتهم المستأجرة والساحات العامة على حد سواء. فيضطر كل مواطن إلى الوقوف في أرضه. وأين سيقف هو عندها، أين سيقف من لا مطارح لهم؟

طمأنته باستحالة حدوث ذلك. فأستكان وصمت. سحب لفافة تبغ. رطّبها. وأشعلها بنيران جهنم ولاّعته. امتصّ دخانها بعد تدليلها في فمه مستعرضاً. لا بل مضغها كجائع يتذوق حلاوة لمرة واحدة. ولولا مخزون اللعاب وشفاعة القديسين لكانت نارها أشعلت فمه ولسانه. توارى. ففتّشت عنه في الدخان. فوجدته وجهاً خائفاً. كان وجهاً يبحث عن ضوء.

رنّ هاتفه الجوّال. ردّ على زبون أراد أن يذهب إلى المطار. فطار هو في سيارته، ليصطحبه. وأنا طرت وراءه بالفكر. بقيت مسمراً في تلك الساحة أراقب وجوه الناس. وأنصت علّني أتعلم لغة جديدة.

افتكرت في كل ما قال. وقلت في صمتي:

"بالله عليكم بماذا أجيب "سبع الغاب" ورفاقه؟

بالله عليكم قولوا لي كيف أواجه فلسفة أناس الأرض وبساطتهم بأقوال الكتب؟

استترت في الصمت، كي لا أكون سمسار تفليسة. فلسباع الغابات إيقاعات تتراقص على نغمها الكلمات.

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard