شباب طرابلس أرادوها "أجمَل" من دون صور الزعماء... فاستبدلوها بالعلم اللبناني

8 تشرين الثاني 2019 | 15:05

المصدر: "النهار"

إزالة الصور في طرابلس (النهار).

تُواصِل طرابلس إدهاشها للمراقبين بمستوى الإبداع، وثبات هذا الإبداع الّذي تثبته وهي تخلع عباءة الإرهاب القسريّة، لتستبدله بفستان جميل تختاره، يليق بعروس المدن المنتفضة. هكذا، منذ انطلاق عدّاد الثورة، يرفع اللبنانيون سقف توقّعاتهم من "عروس الثّورة" طرابلس. ثوّارها الّذين هيّأوها لتتّخذ هذا اللّقب، يجهدون في الحفاظ على امتيازاتها الجمالية. ففي القالب، أدرك الثوّار، وجلّهم من الشّباب، أنّ العروس بثوبها الجميل لا يليق بها أن تحتفظ بصور الزعماء التي ترتفع في ساحاتها وشرفات بيوتها، فقرّروا إزالة الصور في حملة انطلقت منذ يوم الأربعاء. أمس، تخلّلت الحملة هتافات تدعو لإزالة الصور جابت أحياء المدينة القديمة، الأكثر احتشادًا بصور "الزعماء" التي تبث التلوّث بصريًا، وتفاقم مظاهر الفوضى، ومدلولات العبثية المعشّشة في كلّ زاوية من هذه الحواري التي تبجّل زعماء صنعوا للمدينة تاريخًا من جولات القتال والتفقير، بل الحرمان من أبسط مقومات العيش. تاريخ أسود لطرابلس يريد الشباب تبييضه، فتداعوا الى المسيرة يمزّقون الصور التي لطالما كرّست وثنيّة هذه الزعامات.

طرابلس قبل إزالة الصور

تتزاحم في طرابلس صور لتعظيم الزّعيم الأفحش ثراءً في لبنان، وزعيم يراكم ثروته من الأملاك العامّة، والزّعيم المتحدّر من أسرة سياسيّة عريقة يعكّز على أمجادِها، والزعيم الذي خلق زعامة سنّيّة فجائية وموقّتة من خلال لعبه على وتر التهميش والمظلومية السّنيّة، وزعيم الخدمات، فضلًا عن نوّاب الأمر الواقع الذين يهبطون كالـ "باراشوت" على المدينة وعلى شُرف بيوتها بين ليلة انتخابات وضحاها. تتعدّد خلطات التزعيم في طرابلس، إنّما البؤس واحد: يعيش 57% من سكّانها تحت خطّ الفقر، فيما 78% منهم لا يمارسون نشاطًا اقتصاديًا مستدامًا، بحسب دراسة وثّقتها الإسكوا عام 2015. في المدينة التي تحتضن هذه النسبة المخيفة والمتنامية من الفقر، ترتفع صور السياسيين والزّعماء بكاريكاتورية تفاقم من مرارة المشهد الحزين. أحزمة البؤس والعشوائيات التي تعاطى معها سياسيو المدينة لأكثر من ثلاثة عقود كاحتياطي للزبائنية الانتخابية، تتّخذ من صور هؤلاء زنّارًا يعَنون المشهد بفقر "على عينك يا زعيم". وبأسلوب يفتقد لبديهيّات الذوق الفنّي، ترتفع هذه الصّور هنا وهناك، ترافقها أحيانًا عبارات ترشح بالطّائفية أو المصطلحات الشّعبية الّتي لا تخلو من الأخطاء الإملائية "أسد السنّة"، "بيّ السّنّة"، "حامي قلعة المسلمين"، "من أنتم أيها الصغار للططاول (التطاول) على الكبار"، "جبينك عالي ما بينطال" ممهورة بتوقيع صاحب اللّوحة مثل "شباب الختيار" التّابعين لأحد قادة المحاور، وأصدقاء فلان، إذا ما ظهر الاسم كاملًا. صورٌ ترتفع عاليًا، فتزيد من الفجوة النفسية بين فوقانية الزعيم ودونية المواطن. وكلّما كبرت الصّورة وارتفعت، ارتفع معها البدل المادّي. في إحصاء سابق، علمنا أنّ سقف البدل يبلغ 200 ألف ليرة لبنانية، أمّا التقديمات العينيّة فتأتي ظرفيّة على الشّكل الآتي: كرتونة إعاشة في رمضان، كارت لتشريج الخليوي وتاكسي خلال الانتخابات، وحبوب بنزكسول للشباب الّذين ساعدوا "قادتهم" في محاور القتال.


وبعد إزالة الصور

لكنّها صورٌ قطعت الثّورة صلتها بحاضر المدينة. فوجه طرابلس بعد 17 تشرين الأوّل ليس كوجه طرابلس قبل هذا المفصل، حين أسقط الشباب خوفهم من السّياسة، قبل أن يبادروا اليوم بإسقاط صور السياسيين. في الواقع، كانت طرابلس أولى المدن التي انتزعت صورًا لزعمائها منذ ساعات الثّورة الأولى. ولكن إعلان استقالة الحكومة أوقد فتيل التّعاطف لدى بعض مناصري الحريري، فارتفعت صورًا جديدة له في المدينة.

تتقدّم عائشة حلواني (29 سنة) مسيرة إزالة الصور. تحمل الميغافون وتهتف ضد الطائفية والاستزلام، وهي تجوب شارع "الراهبات"، يتبعها عشرات الشابات والشباب الذين انضمّوا الى مجموعة مصغّرة في ساحة النّور، كانت أعلنت في وسائل التّواصل أنّها ستنطلق عند الثالثة بعد الظهر. تقول لـ"النهار"بعد أسبوعين من الثورة، وبعدما استقالت (ثم تستدرك) - بعدما جعلنا الحكومة تستقيل، كنت عائدة الى منزلي في أبو سمرا فهالتني كمية الصور التي وضعت مجدداً على الدوار. ثم عرفت أن أحياء عديدة رفعت هذه الصور. استفزّني الامر. هل يعقل أن تذهب ثورتنا هباء؟ فقررت مع رفاقي أن نعيد تنظيف المدينة، ونستبدل هذه الصور بالأعلام اللبنانية التي توحّدنا. نحن نحرص على ألا نتصادم مع أحد، نحن فقط نريد التخفيف من المظاهر الطائفية والتبعية في طرابلس".

أيمن جبلي (22 سنة) طالب هندسة في الجامعة اللبنانية، من المساهمين في نشر الدعوة للحملة، فتطوع في صناعة بوسترات إلكترونية بجملة "حددت طرابلس يوم 7 تشرين الثاني لإزالة صور كلّ الزّعماء"! عن دوافعه يقول إنّ "الجيل الواعي هو ضد تقديس الأشخاص. ضد صناعة الأصنام البشرية. هؤلاء الزعماء هم موظفون لدى الشعب، لكن تعليق صورهم يوحي بأنهم أعلى من المواطن. أنا أؤمن أن هذا الزعيم هو أيضًا مواطن مثلنا، فلمَ تعليق صورته؟ ثم إن زعماء طرابلس لم يقدموا شيئًا لمدينتهم. وعلاوة على تقصيرهم، شاركوا في السرقات، كيف، إذًا، نعلق صورهم"؟

في ساحة النور، يقف يوسف تكريتي (23 سنة) قبالة رفاقه المنتفضين على صور الزعماء، يتفقون على العقد الجماعي الذي ستلتزمه المجموعة الحريصة على سلميّة تدخّلها "لن نجبر أحدًا على إزالة الصور ولكن سنُسمع هتافاتنا للأهالي ونحاول إقناعهم بإزالتها". تنطلق المجموعة باتجاه باب الرمل، فتمر بالمقبرة حيث توقّفوا عند صورة وجدوها لسعد وأحمد الحريري مع عبارة "ضمانة لبنان". تسلّق أحد الشباب العمود وقام بانتزاعها بمقبض وسكين، واستبدلها بعلم لبنان، وسط تصفيق وهتافات الشباب وبعض الأعين الفضوليّة وكاميرات الهواتف. واستأنف الشباب مسيرتهم بجانب قهوة موسى، مرورًا بمجمعية "العزم والسعادة" التابعة لنجيب ميقاتي، مرورًا بحي الدفتردار، ومحطة في مستديرة النجمة، ثمّ مشوا في شارع الراهبات وصولًا الى السرايا العتيقة وانحرفوا نحو التلّ، ليعودوا أخيرًا الى ساحة النور.

مسار سلميّ ومحاولة لإقناع الأهالي

ردّد الشباب "شيلوا صور وحطوا أعلام حتى نسقط الحكّام"، "عالطائفية.. ثورة، عالعنصرية.. ثورة، عالطبقية.. ثورة". ومن مكبّر الصّوت يهتف أحد الشباب "نحن سلميون. نحن أبناؤكم من التبانة وأبو سمرا والقبة وباب الرمل، نطلب منكم أن تزيلوا صور هؤلاء الزعماء الّذين يذلّوننا، ويدفعون الـ100 دولار في الانتخابات، ويجبروننا على طلب المعونة". إضافة الى سيناريوات تقنعهم بـ "جعل طرابلس حلوة"، تهدف لتقريب المجموعة من أهالي هذه المناطق وإقناعهم بإزالة الصور. على أصداء هذه النداءات، أطلّ سكّان من الشرفات يصغون لهؤلاء الشباب. البعض صفّق لهم، والبعض انضمّ لمجموعة المشاة. خيّاط "حاج" كما ينادونه خرج من ورشته، يبارك للشباب ويتعهّد بانتزاع صورتين لزعيمه أمام محلّه.

هذا واستبق النائب فيصل كرامي هذه الحملة، فدعا مناصريه أول أمس إلى إزالة كل صوره "تفادياً للمشاكل والصدامات". لكنها قد تكون أيضًا خطوة وقائية لتجنّب مشاعر غير مرغوب بها، حين يرى أحدهم صورته المرفوعة عاليًا لشهور وربما لسنوات، تمزّق أمام عينيه وعلى مرأى من الجميع. كما بدأ حراك الطلاب في "الجامعة اللبنانيّة" مسيرتهم في إزالة الصور أول أمس، في المناطق الميسورة اّتي لا تخلو بدورها من صور الزّعماء المؤيدة. فجاب الشباب شارع عزمي، ونقابة الأطباء، وصولاً الى سنترال الميناء، ثم انحرفوا الى الدائرة التربوية وصولاً الى ساحة النور. هذه الخطوة انتشرت عدواها المناطقية، إذ تناقلت وسائل التواصل فيديو مع عبارة "الجامعة اللبنانية نحن منحررها" لطالب يتسلق محيط كلية الآداب في الحدت، ويسقط صورة لرئيس "العهد"، وسط جوقة من التهليل، فجّرها جيل لا يخاف هذه السلطة التي لا تمثله. صور هذه السلطة المرفوعة لا تنسجم تالياً مع لبنانه. يوم أمس، حطّم هؤلاء الشباب صور الزعامات القديمة، في طريقهم لصنع لبنان الجديد.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard