هل تدفع الاحتجاجات الدولية روسيا والصين إلى "الجانب الخطأ من التاريخ"؟

7 تشرين الثاني 2019 | 19:23

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصين شي جينبينغ، 2015 - "أ ب"

تواجه روسيا والصين تحدّيات تفرضها التظاهرات التي تجري حاليّاً في دول عدة حول العالم. في بعض تلك الدول نفوذ مباشر لبيجينغ وموسكو. في هونغ كونغ على سبيل المثال، لم تهدأ التظاهرات منذ انطلاقها في الربيع الماضي حتى مع تراجع سلطاتها عن مشروع قانون يسمح بتسليم مطلوبين إلى الصين. لا ترتاح الأخيرة لما يجري في هونغ كونغ باعتباره تمهيداً محتملاً ل "سلوك انفصاليّ" وفقاً لما أعلنه الحزب الشيوعيّ الصينيّ يوم الثلاثاء، وقد أشار إلى أنّه لن يتسامح مع سلوك كهذا. 

أتى الإعلان عقب هجوم استهدف أحد النوّاب المؤيدين للصين خلال مشاركته في حملة انتخابات محلّيّة. واندلعت التظاهرات الحاليّة بعد 22 عاماً على استعادة الصين هونغ كونغ على أساس "بلد واحد، نظامان مختلفان". بالمقابل، شهدت روسيا احتجاجات بين آب وأيلول بسبب منع ترشّح مستقلّين إلى الانتخابات المحلّية. وباتت موسكو في السنوات الأخيرة مسرحاً لعدد من التظاهرات المناوئة للكرملين حتى ولو بقيت متباعدة زمانيّاً إلى حدّ ما. لكنّ ذلك لا يعني أنّ موسكو وبيجينغ غير حذرتين من موجة التظاهرات العالميّة حتى تلك التي تجري في دول بعيدة منهما.

"مفجّر للاحتجاجات"

ربّما تشكّل فنزويلا ساحة مهمّة لبيجينغ وموسكو سياسيّاً واقتصاديّاً لمواجهة واشنطن على الصعيد الدوليّ. لكنّ هذا الملفّ مختلف عن الساحات الأخرى التي تشهد احتجاجات موسّعة من بينها تلك التي تُنظّم داخل دول أخرى في أميركا اللاتينيّة كبوليفيا وتشيلي وغيرهما. تلتقي مختلف الاحتجاجات العالميّة الحاليّة عند غضب القاعدة الشعبيّة الشبابيّة من الحوكمة غير العادلة وغير القادرة على تلبية تطلّعاتها في عدد من الدول. وتختلف على مستوى الأسباب المباشرة التي أطلقت ذلك الغضب. في هونغ كونغ والبيرو والسودان والجزائر وغيرها، اتخذت التظاهرات منحى سياسيّاً. بينما في تشيلي وفرنسا وهولندا ارتدت طابعاً معيشيّاً. لكنّ جميع هذه التحرّكات تجد جذوراً مشتركة في مظاهر الأسى التي تعبّر عنها الفئات الشابّة.

مديرة مركز دراسات "بريكس" في "معهد موسكو الرسميّ للعلاقات الدوليّة" ليودميلا أوكونيفا سلّطت الضوء في مقالها اليوم ضمن "منتدى فالداي" الروسيّ على الاحتجاجات التي تشهدها أميركا اللاتينيّة. ورأت أنّ موجة التظارات فيها هي تعبير عن اضطراب مدنيّ عالميّ للطبقة العاملة والطبقة الدنيا والشباب والفقراء والمهمّشين من الطبقة الوسطى. بالتالي، إنّ السبب الرئيسيّ وراءها هو "غياب المساواة الاجتماعيّة بوتيرة غير مسبوقة وقد تحوّلت إلى مشكلة عالميّة منذ بداية القرن الواحد والعشرين." وأضافت أنّه في حالات التفاوت الطبقيّ الكبير، تصبح إضافة ولو طفيفة إلى الكلفة المعيشيّة، كما حصل في الإكوادور وتشيلي مع زيادة بسيطة في الضرائب على الوقود وتذكرة المترو، مفجّراً للاحتجاجات القويّة التي هزّت أسس الأنظمة السياسيّة الحاليّة.


"ليست ثورة ضد رئيس أو رئيس حكومة"

على الرغم من أنّ أسباب الثورات العميقة اجتماعيّة وديموغرافيّة في معظم الأحيان، قد لا تحصر بيجينغ وموسكو تحليلها للتظاهرات في هذه الزاوية. ليس الارتياب الروسيّ من التظاهرات أمراً جديداً، وهو بدأ منذ مطلع هذه الألفيّة مع الثورات المخمليّة. وفي مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمس" في حزيران الماضي، وصف الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين النظام الليبيراليّ العالميّ بأنّ "الزمن عفا عنه". لكنّ عودة التظاهرات إلى موسكو كانت إشارة إلى أنّ فقدان الغربيّين الثقة بمؤسّساتهم الديموقراطيّة لا يعني بالضرورة نجاح فلسفة الحكم في روسيا التي تقوم على أولويّة "الاستقرار" في مواجهة الديموقراطيّة.

في "مجلّة أوراسيا" الأميركيّة، رأى الباحث البارز في "جامعة نانيانغ للتكنولوجيا" التابعة ل "كلية راجاراتنام للدراسات الدوليّة" في سينغافورة جايمس دورسي أنّ "روسيا والصين قد تجدان نفسيهما في أوضاع صعبة مع احتجاجات حول العالم من أميركا اللاتينيّة إلى هونغ كونغ فتضع القوّتين على الجانب الخطأ من التاريخ." وبناء على قاعدة أنّ روسيا والصين تدافعان عن الأنظمة القائمة في وجه المتظاهرين، استشهد دورسي بما قاله تيموثي كالداس، الباحث البارز في معهد "تحرير لسياسة الشرق الأوسط" خلال توصيفه للتظاهرات. "هذه ليست ثورة ضدّ رئيس وزراء أو رئيس. إنّها احتجاج يطلب رحيل الطبقة الحاكمة بأكملها". وهذه الطبقة هي نفسها التي تريد روسيا والصين بقاءها في السلطة، وفقاً لدورسي.


اتّهام أميركي

قد لا تكون الصين راغبة إلى هذا الحدّ بالدفاع عن "الطبقات الحاكمة". سبق لبيجينغ أن وافقت على عقوبات أمميّة على أنظمة أوتوقراطيّة كما كوريا الشماليّة أو إيران أو ليبيا. وكما يقول الباحث في "مركز دراسة الشؤون العسكريّة الصينيّة" التابع ل "جامعة الدفاع الوطنيّ" الأميركيّة جويل ووثناو، "لا يمكن وصف الصين ببساطة على أنها راعية الأنظمة المارقة، بالرغم من الإشكال" الذي تثيره سياساتها. بالتالي، قد لا تجد بيجينغ صعوبة في التخلّي عن بعض الحكومات إذا كان البديل واضحاً ويؤمّن مصالحها. بينما تبقى روسيا أقرب إلى تبنّي موقف أكثر تشدّداً من الثورات والتظاهرات بالنظر إلى الخلفيّة التاريخيّة التي شهدها الاتّحاد السوفياتيّ ثمّ روسيا.

على الرغم من المؤشّرات التي تظهر روسيا مدافعة عن الأنظمة القائمة ومواجهة للاحتجاجات الشعبيّة الواسعة، برز اتّهام أميركيّ لافت منذ أسبوع للروس بتعزيز الانقسامات في تشيلي. وقال ناطق باسم وزارة الخارجيّة في 31 تشرين الأوّل إنّ روسيا "تسعى إلى مفاقمة الانقسامات، وإثارة الصراع، والعمل الشامل على إفساد نقاش ديموقراطيّ مسؤول" في البلاد. لكنّ نائب وزير الخارجية الروسيّ سيرغي ريابكوف رفض الاتّهامات قائلاً: "لم نتدخّل قط، لا نتدخّل، ولن نتدخّل في أيّ مسائل انتخابيّة أو سياسات داخليّة أخرى، مهما كانت."

تصعب معرفة ما إذا كانت الصين وروسيا ستكونان في "الجانب الخطأ من التاريخ" في تعاملها مع الاحتجاجات الدوليّة، بما أنّ الساحات ليست متساوية الأهمّيّة بالنسبة إليهما، وبما أنّ سقوط "الأنظمة" في تلك الدول يبدو غير قريب وغير مطروح في بعضها. ربّما في المدى الأبعد، تصبح سياستهما أكثر تبلوراً.

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard