ميشال إده: الحس المرهف بالعدالة الإنسانية

6 تشرين الثاني 2019 | 17:52

المصدر: "النهار"

ادة.

انطفأت الشمعة التي كانت تجهد لإنارة طريقنا الوطني بالرأي والمبادرة والقوة. رحل بالأمس القريب الوزير ميشال إده، تاركاً اللبنانيين يتخبطون في الظلمة وهم يحتشدون ويهتفون ويغضبون والهدى صعب لأن أهل الحكمة والتعقل قد استنفدوا أو نفدوا.

حتى الأيام الاخيرة من حياته كان ميشال إده ينبض محبة للبنان وحماساً لتعزيز بنيان الدولة فيه. ففي كل مناسبة كنت أتحيّنها للقاء به والتحدث معه، كان الوزير ميشال إده يستعيد لحظات من تجربته في الحكم - وكان ذلك لفترات قصيرة نسبياً - ومن تجربته في التعاطي مع السياسة ومع الساسة اللبنانيين والعرب والأجانب. وكان يستعرض أمامي أحداثاً ومواقف مفصلية في مسيرة لبنان الدولة وفي مساره الشخصي.

لم أستغرب يوماً ما كان يقصّ عليّ من أخبار كانت تكشف ضعف بعض وشهامة بعض آخر. وفي كل مرة كان يستخلص العبرة نفسها، أنه لا يصح غير الصحيح وأن المرتكبين ينكشفون تباعاً، وأن الشعب لا بد وأن يرى الحقيقة ويلمس الواقع ويميز بين الآدمي والمرتكب.

النزاهة في التعاطي مع الشأن العام كانت محور حديثه وكانت له رؤية اقتصادية، مالية لافتة، وهو حقوقي في الأصل وقد مارس المحاماة طويلاً في إطار محلي ودولي.

أعتقد أن معرفته بالقضايا المالية كانت ناتجة عن حّس لديه بالقيمة الرأسمالية للأملاك العامة وحرصه على حسن التدبير في هذا المجال صوناً لمصلحة الدولة.

لم أستغرب لأنني عندما عملت معه لسنوات كمستشارة في وزارة الثقافة والتعليم، تعرفت إلى شخصه وإلى تفكيره وتوجهاته. كنت أبتسم عندما يتحدث عن فلسطين وهو الشغوف بهذه القضية، وقد انتفض وخرج إلى الشارع بعد نكبة 1948.

كنت أبتسم لأنني كنت أصنّفه وهو يتحدث: بورجوازي يساري. فحسّه المرهف بالعدالة وبالحقوق المشروعة كان نابعاً من ذاته وليس من مصلحته الاجتماعية، وهذا الأمر وحده يدحض النظرية المادية في تفسير التاريخ الاجتماعي.

لن أتحدث عن كرمه وهو الذي كان يُخرج دفتر الشيكات كلما حضر إليه أحد وهو يشتكي أو يبكي.

لكن هناك زاويتين من شخصية ميشال إده أريد لفت النظر إليهما:

الزاوية الأولى: احترامه العميق والصادق للناس. وهناك حادثة معبرة جداً عن نهجه في الحكم، ففي عام 1994 أطلق أساتذة الجامعة اللبنانية إضراباً مطالبين الدولة بتحقيق بعض المطالب، وقرروا المجيء إلى مكتب الوزير في بناية ستاركو والاعتصام فيه. بلحظة وصل العشرات من أركان رابطة أساتذة الجامعة وأساتذة من كل الكليات وتجمهروا أمام مبنى الوزارة. فكانت ردة فعل مكتب الوزير أن أغلقوا باب مدخل البناء وأوصدوه. واتصل موظفو المكتب بمعاليه وأخبروه عما جرى وعما اتخذوه من إجراءات. فانفجر ميشال إده غضباً وطلب من مكتبه إعادة فتح باب المدخل فوراً ودعوة الأساتذة إلى الدخول وفتح باب المكتب الشخصي للوزير وقاعة الاجتماعات أمامهم. فدخل الأساتذة واختار كل منهم كرسيّه وجلسوا وانطلقوا في نقاش في ما بينهم وطال الوقت وجاء وقت الغداء، فإذا بالوزير يتصل بمكتبه وهو كان في اجتماع حكومي، وطلب من أمانة سره أن تطلب غداء "للشباب". وهكذا كان، ووصلت الوجبات الساخنة على عدد المعتصمين ودُعيوا إلى تناول الغداء فتجاوبوا ثم تناولوا القهوة وانصرفوا طالبين موعداً للقائه في يوم آخر.

كان الوزير إده يتعاطف مع أساتذة الجامعة اللبنانية ومع الجامعة اللبنانية نفسها كمؤسسة حكومية وطنية الأهداف من الضروري دعمها وتعزيز الحكم الرشيد فيها لتؤدي مهامها بفاعلية.

وفي تلك السنة طرح الوزير إده موضوع إعادة النظر في سلسلة رواتب أساتذة الجامعة، فتمت إعادة الاعتبار إلى موقعهم بزيادة كبيرة على رواتبهم إيماناً منه بأن هذه الفئة هي نواة قادة الرأي في المجتمع وبالتالي علينا احترامها وصون كرامة الأساتذة الجامعيين.

وسعى الوزير إده في تلك السنة ونجح بفضل قوة الحجة التي كان يتحلى بها، نجح في استحداث صندوق تعاضد أساتذة الجامعة اللبنانية. وهذان الإجراءان نقلا ظروف عمل ومعيشة أساتذة الجامعة اللبنانية نقلة نوعية. كثيرون من أساتذة الجامعة يتذكرون تلك المرحلة ويترحمون عليه.

الزاوية الثانية: هي عمق إيمانه، فقد كان الوزير ميشال إده مؤمناً بالفعل وأعتقد أن إيمانه بالله كان يعطيه القوة للتعالي على كل الإغراءات المادية والتي لم يعرها يوماً اهتماماً، بل استعمل دائماً ما أكرمه الله به لخدمة الغير وتخفيف معاناته.

وفي احد الأيام طلب مني معالي الوزير أن أتصل به صباح يوم الأحد التالي "كي نعمل جلسة عمل". فميشال إده لم يكن يأخذ العطل والإجازات.

لم تعجبني الفكرة لأنها كانت لتعطّل عليّ يوم راحة، لكنني امتثلت لطلبه، شغفاً – أنا ايضاً – بما كنا نبحث فيه وننجزه.

اتصلت بمنزله صباح ذلك الأحد مرة ومرة أخرى ومرة ثالثة، وكان دائماً الجواب أنه غير موجود. فغضبت لأنه عطّل علي صباح الأحد.

عند الساعة الواحدة اتصل بي معاليه معتذراً فبادرته بعصبية: أنت قلت إنك تريد أن نشتغل واختفيت!، فأخذ يضحك وقال لي: شاركت صباحاً عند الثامنة بقداس لدى الآباء الكبوشيين، وعند العاشرة بقداس في كنيسة مارونية، وعند الحادية عشرة بقداس في كنيسة أرثوذكسية، فزاد غضبي وقلت له بانفعال: لماذا تحضر ثلاثة قداديس في يوم واحد، هل لديك ما تطلب الغفران عنه؟ فأجابني ضاحكاً لا، بل كنت أشكر الرب في كل مرة على ما أكرمني به وعلى خلقه وعلى كل شيء. ألا تشكرين الله؟ أتصلّين فقط لطلب شيء أو للغفران؟ قلت له لا. فقال لي اذهبي وصلي أنت أيضاً لشكر الله تعالى على كل شيء.

أيقنت يومها أنني أمام إنسان كبير في إيمانه ويستمد أخلاقه من ذلك الإيمان.

رحم الله الوزير ميشال إده. لم أكن دائماً على اتفاق معه في الرؤية والقرارات، لكنني كنت أدرك في كل مرة مدى الحكمة والحنكة اللتين لديه وكنت أتعلم منه، أتعلم منه أن أهدأ ولا أنفعل وأن أحاول امتصاص الغضب المحيط وأسعى إلى الحلول. من قال إننا نتعلم في المدرسة وفي الجامعة فقط! الحياة أكبر مدرسة وأكبر جامعة، والقدر له حصة في إعطائنا الفرص، وكانت فرصتي أن أتعرف إلى الوزير ميشال إده وأتعاون معه وأتعلم منه.

رحمه الله وأبقى ذكراه في قلوبنا وفي عقولنا جميعاً.

المديرة السابقة لمعهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard