الثورة والغضب

5 تشرين الثاني 2019 | 13:07

الثورة والغضب (جميل ملاعب).

الجسد

"وطنٌ بلا شعب، غير جدير بالبقاء

شعبٌ بلا وطن، غير جدير بالرثاء"


- ١ -

أيّها الرّاحلُ في غربةِ القهر

إلى أماكنَ قصيّةٍ من هذا الوجود

حيثُ الغربانُ تنهشُ ما تبّقى من حياة

تقفُ أنتَ يا جسدي وحدكَ

تسكنُ الظلامَ

وعويلَ السّاحاتِ المَلىء بذكرياتِ الجرحِ الأسمر

أيّها الحالم بكلّ ألوان الحياة

ظننتُ أنّكَ العاشقُ الأبديُّ

تلوّنُ فرحَنا وتمضي كوميضٍ يحملُ طيّاتِ زغاريدِنا

أيّها المسكونُ بالوحدةِ... والأمس

صراخُنا قَضَمَ وريدَكَ المُتعَب

وأيدينا أمعنَت في سهوبِ يديكَ

تجتثُّ زغَبَكَ وأجسادَنا

نحنُ الرّاحلونَ معكَ

إلى خريطةٍ لم تعرف موطِىء قدمِ بشريّ قطّ

وحدَنا نسيرُ بكلّ الاتّجاهات

وزُرقةُ البحرِ موطِنُ آمالِنا

وطيورُ الغاباتِ المُوحشة تسرقُ منّا

الثورة والغضب. 

- ٢ -

ليسَ غريبًا يا جسدي

أن تسقطَ مع الرّيحِ ونسماتِ الصّباح

أن تثورَ... تموتَ... تُبعثَ...

فأنتَ وحدَكَ يا جسدي المُفعم برائحةِ القتل

لم تتعب في رحلةِ المسيرِ إليَّ

وأنا القادمُ منكَ

أتوهُ والنّظراتُ تسكنُ هياكلَ لم نصل إليها من قبل

يا جسدي... قد تعبتُ

وتعبَت مساراتُ الرّوح

قد ضجرَت منكَ أنفاسي

ومللتُ النّظرَ إليك مُكتفيًا بالتقاطِ شتاتكَ

مُقتنعًا أنّكَ الوحيدُ الأبديُّ القادرُ على كلّ الأشياء

قد سئمتُ عنفوانَ الجراحِ بكَ

قُم... قُم أيّها الجسدُ المُثقَل

أيّها القابضُ على روحٍ تُزلزلُها الحِراب

قُم أيّها المُمسِكُ بكلّ الاتّجاهات

انظُر حولَكَ جيّدًا يا جسدي

سترى أنّ الطّريقَ إليكَ طويلٌ... طويل

أنّ الدّروب أقفرَت كثرةَ العابرين

ستظنُّ لوهلةٍ أنّكَ السّاحرُ المُشعوذ

الذي لبسَ رداءَ الطهارةِ وراحَ يُغرّدُ للحياة

قُم أيّها القابضُ على سِفرِ وجودي

وانثر وجدَكَ كجناحِ طيرٍ بُعِثَ من ليلنا الطويل

وانظُر أقصى القوم

ستعرف... ويعرفُ القاطنونَ دربَ العاشقين

إذا اسودّت ملامحنا

وخَفَتَ قنديلُ الشّوقِ في أعيننا

أنّكَ الرّاحلُ الأزليُّ الوحيد

بين بدايةِ كلّ الأشياء

ودربِ العبورِ نحوَ مجهولنا القصيّ

أنّكَ أنجبتَ قهرًا... ألمًا... عظمةَ السّيفِ في غِمدِ أعمارِنا

أنّكَ الوحيدُ القادرُ على وجعي

والأخيرُ الحاملُ رسالتي إلى الرمسِ الأخير...

- ٣ -

قُم أيّها الجسدُ المُنكسِرُ على وزن قوافيّ

واصرخ

سترى أنّكَ ولِدتَ من رحمِ الغيبِ المُسهِبِ بالجنون

أنّكَ رمحٌ شرقيٌّ تعفّرَ بالرّيح

وخاضَ معاركَ الحريّة بقناعِ الكُفر

أنّكَ سيفٌ تجرَّدَ على الأسى

مُلتاعٌ كثرةَ العويلِ والصّياحِ والشجون

أنّكَ وحدَك اغتصبتَ وحدتي

وعصفتَ بجنوني ومخاضِ فكري

أنّكَ الوحيدُ الذي مدَّ لي يدَه

لأصلَ معكَ إليَّ

قُم أيّها الجسدُ المُرتعش

وانفض عنكَ كلّ الألوان

ستجدُني بين أحضانِكَ وفي عيونكَ الرمادية

في قبضةِ سلاحكَ وفي وهنِ ضعفكَ وفي سكون موتكَ

ستجدُني الوحيد المُبحر بكَ إليكَ

ومنكَ نحوَكَ

ومعكَ عليكَ

قُم وانظُر غُربةَ قهرِنا معًا

كيف أمسينا مُذ التقينا

مشرّدَين يبحثان عن وطن

عن هويّةٍ قتلَها ألفُ صوتٍ للحريّة

عن أرضٍ سلخَت عنها ربقة الغضب

وأعلنَت موتي وموتكَ

قُم... أنا الواقِفُ في انتظاركَ

أحلمُ بما بقيَ منكَ

قبل أن تنهشَه عصافيرُ الغابة المُوحشة

ويفترِسُ حلمَنا جليدٌ مزروعٌ بأجفاننا

وحرارةٌ لم تتكوّن بعدُ في قلوبنا ...

- ٤ -

عند الفجر

قبل انبعاثِ الحرارةِ الوحيدةِ في هذا الكونِ القافر

تقفونَ كالفرحِ العظيمِ الذي انتظرَ ولاداتٍ كثيرة

تُمسكونَ بيدي كي لا أقع

أنا المرميُّ في متاهاتِ أنفاسكم المليئةِ بالقتل

أيّها السُكارى من قدحِ صلاتنا

تعبرونَ أجسادَنا خِلسةً

وفي لحظةٍ واحدةٍ... في لحظةٍ واحدة...

تُحوّلونَ أزهارَنا إلى قنابلَ وبارود

تمشونَ متمايلين خلفَ أحشائنا التي وُلدتُم منها

أيّها الصّارخون بكلّ أطيافِ الجنون

حانَ موعدَ صلاتكم على أحفافِ النّبيذ

وأنتم تسرقونَ منّا عناقيدَ كرومِنا

لتزرعوا ما تبّقى من مساحاتٍ منفيّةٍ

بما تحلمونَ أنّه وهمكم العظيم

والحلم الذي عاهدَ النّار

ونِجادِ السّيوفِ المُنتشية على قارعةِ الطّريق

وأنا...

ما زلتُ أغنّي للعصافيرِ والبيادرِ المُهجَّرة

لزُرقةِ سمائنا التي رحلَت قسرًا منذ ألف عام

ما زلتُ أُدندنُ فوقَ أوتاري كلّ مساء

كلّ الأغنياتِ التي حفظتُها في سريرِ أمّي

ما زلتُ أغنّي

أنّ المحبّةَ العمياءَ تقتلُ أبناءَها

أنّ الحبّ الذي يتجاوزُ كلّ المعايير

أشبَهُ بعبوديّةٍ لا تعرفُ الحدود

ما زلتُ أغنّي... أصلّي للسماء

أفرحُ للسماء... أحزنُ للسماء

كي تصبحَ صلاتي أقرب للغناء

ما زلتُ أحملُ قرابينَ الوجدِ المُثخنِ بالجراح

أقفُ عندَ حدودِ المدينةِ النائمةِ في حضنِ قاتلها

علّ جذعَ نخلةٍ يحملُ مخاضَ خلاصي ... وموتي

أو أظلُّ أبحثُ عن غارٍ ترتّلُ قراءاتٍ وأدعيةٍ

لم يسمع بها بشريٌّ من قبل

وأنا...

ما زلتُ أمسكُ سريرَ أمّي

أسمعُه يغنّي للصّباح

في أحداقِ العجائزِ والمنسيّين في دفاترنا القديمة

ما زلتُ أسمعُ ترانيمَ صوتِه المتهدّجِ

يرنُّ في أرجاءِ غرفتي المُبعثرة

ما زالَ يُردّد أنّ الحقيقةَ كلّما جرحَت أجسادَنا

زادَ تعلّقنا بالباطلِ والشيطانِ المُقنّعِ بأسمائنا

ما زالَ يقولُ كلّ صباح

أنّ الحريّةَ التي دُفِعَ ثمنُها بعدَ أن تُولَد

سينظرونَ جميعهم إليها

أنّها غانيةُ الأزقّةِ التي هربَت من حانةٍ مهجورة

وتركَت كأسَ نبيذِها فوقَ الأجسادِ المُمزّقة

ما زالَ يصدحُ في وجهي

أنّ الأوطانَ التي تقاتلَ أبناؤها على الأرض

حتمًا حتمًا سيخسرونَ السّماء

ولن تصلَ صلاتهم نحوَ السّماء

ولن تصيرَ أبدًا أقرب للغناء ...

- ٥ -

عندَ انبعاثِ الحرارتِ المُتجمّدة من صقيعِ الأرض

أنتظرُ ولادةَ اللحظات

كي أعرفَ دربَ العودةِ إلى جسدي

وما زلتُ مُسترسلًا في الاصغاءِ للأناشيدِ الثوريّة

لبلاغاتِ الثورةِ وأحلامِ الذين رحلوا قبل سنواتٍ عِجاف

وأحملُ بندقيّةً لونها أقرب للإختفاء

أتربّصُ عدوّي الذي أنجبتُه

لم أكن أعلم قبل انبعاث الحرارات

أنّني أنجبتُ من جسدي

جسدًا آخر

لأجعله حطامًا

أنّني ابتُليتُ بالعاصفة

أنّني الوحيد في هذا المكان

والمكان الوحيد الذي أعرفه

لم أكن أعلم قبل الآن . قبل فوات الأوان

أنّني سأقتلُ جسدي بيدي

وأُمعنُ في تمزيقِ جبهته السّمراء

تلكَ التي قبّلتُها قبل ألف عام

تحرّكَ الزّمان... تحرّكَ المكان...

لم تتحرّك ملامحُ وجهي ... ولا ملامح وجهه

ما زلنا نقف حيث نحن

ننظرُ أحدنا نحو الآخر... ولسنا ندري

أنبيعُ بندقيتينا لنتشري كأس نبيذٍ أحمر

أم نظلُّ كما نحن

لنصنعَ كأس نبيذٍ أحمر

أم نُطلقُ العنان لهما... لكي نسكر

لسنا ندري... قد رحل الفجر باكرًا هذا الصّباح

وما زلنا نغنّي للسّماء... نصّلي للسّماء

نفرحُ للسّماء... نحزنُ للسّماء

وصلواتنا ابدًا أبدًا

لن تصيرَ أقرب للغناء...

كارمن لبس: باقية باقية باقية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard