هل تحاول إيران فصل ديناميّتي الشارعين العراقيّ واللبنانيّ؟

5 تشرين الثاني 2019 | 09:53

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

قائد "قوة القدس" قاسم سليماني يحضر اجتماعاً لقادة الحرس الثوري - "أ ب"

يمثّل النفوذ الذي تمتّع به إيران في كلّ من العراق ولبنان أحد أبرز التقاطعات التي دفعت مراقبين إلى المقارنة بين البلدين على مستوى التطوّرات السياسيّة المتزامنة مع تظاهرات امتدّت على مدى أسابيع. انطلقت التظاهرات في كلتا الدولتين بعد عقود طويلة من استشراء الفساد وارتفاع البطالة وتآكل البنية التحتيّة واتّساع الشرخ الاجتماعيّ والنفسيّ بين القيادات السياسيّة وشعبها، وخصوصاً الفئات الشابّة التي تعجز عن تأمين مستقبلها. وما يعزّز التشابه بين حالتي الدولتين هو تقاسم الحصص السياسيّة وفقاً للوزيع الطائفيّ. ويستتبع ذلك أنّ لكلّ من الأطراف والفصائل السياسيّة حصصها الخاصّة داخل النظامين. لهذا السبب، يطالب جزء من المتظاهرين بإلغاء المحاصصة الطائفيّة، وهو مطلب قد يتطلّب تحقّقه زمناً طويلاً. 

ثمّة اختلاف بارز بين التظاهرتين على المستوى الأمنيّ. في العراق، سقط 257 قتيلاً منذ اندلاع الاحتجاجات في الأوّل من تشرين الأوّل، بينما كان لبنان بمنأى عن هذا التدهور الأمنيّ، وإن كانت هنالك بعض الصدامات بين الحين والآخر. على أيّ حال، وعلى الرغم من انتشار الاحتجاجات في الكثير من دول العالم، يبقى العراق صاحب العدد الأكبر من الضحايا الذين سقطوا بسبب العنف الذي تستخدمه السلطات. وعلى الرغم من أنّ الحكومة العراقيّة وعدت بطرد العديد من المسؤولين الأمنيّين الذين استخدموا العنف المفرط، لم يهدّئ هذا الوعد الشارع الذي يطالب أيضاً باستقالة الحكومة ورئيسها عادل عبد المهدي.

"خائفة جداً"

في لبنان، استطاع المتظاهرون إسقاط الحكومة بعدما تمكّن ضغط الشارع من دفع رئيسها سعد الحريري لإعلان استقالته. لأوّل مرّة منذ الاستقلال، وصل عدد المتظاهرين في لبنان إلى 1.7 مليون متظاهر في بعض الأيّام. ولأوّل مرّة منذ نشوء بعض التحرّكات المطلبيّة سنة 2015، وصلت الحركات الاحتجاجيّة إلى معاقل "حزب الله" و "حركة أمل". بذلك، كانت هاتان الظاهرتان محوّلاً أساسيّاً في مسار الحراك اللبنانيّ. في العراق، انطلقت التظاهرات في بغداد وامتدّت إلى مناطق أخرى في الجنوب حيث الثقل الشيعيّ أيضاً. ليل الأحد-الاثنين، أطلقت قوّات الأمن العراقيّة الرصاص الحيّ باتّجاه متظاهرين حاولوا إحراق مبنى قنصليّة إيران في مدينة كربلاء جنوبي البلاد الأمر الذي أدّى إلى سقوط ثلاثة قتلى على الأقلّ. مهاجمة المقرّات الديبلوماسيّة الإيرانيّة في العراق ليست ظاهرة جديدة خلال السنوات الأخيرة. ففي أيلول 2018، أحرق متظاهرون القنصليّة الإيرانيّة في البصرة عقب اندلاع احتجاجات تسبّب بها انقطاع مزمن في التيّار الكهربائيّ.

مؤخّراً، بات جزء كبير من المنخرطين في التظاهرات باتّهام إيران بالوقوف خلف حالة الفساد في العراق وكذلك خلف استخدام العنف المفرط ضدّهم. لذلك، ليس مفاجئاً احتمال أن تكون طهران تراقب الأحداث في لبنان والعراق بحذر ودقّة غير مسبوقين. حتى أنّ مراسلة الشؤون الخارجيّة سافورا سميث ذهبت أبعد في تقريرها ضمن شبكة "أن بي سي" الإخباريّة، فوصفت إيران بأنّها "خائفة جدّاً" من التظاهرات المناهضة للحكومة في العراق ولبنان. وتنقل عن الباحث المشارك في معهد "تشاتام هاوس" البريطانيّ نيل كويليام قوله إنّ طهران عملت طوال سنوات لتعميق نفوذها في هذين البلدين، مشيراً إلى أنّ النظام الذي بنته هو ما يسعى المتظاهرون إلى خلخلته. وأضاف: "تفرض التظاهرات تهديداً على المصالح الإيرانيّة في لبنان والعراق لأنّها ذات طابع وطنيّ، وبالتالي، هي تتحدّى النظام السياسيّ الراهن الذي تثبّته مجموعات مدعومة ومسندة من إيران."


الحدث الأبرز

دفع ترابط الساحتين وحجم النفوذ الذي تملكه إيران فيهما إلى التساؤل عن احتمال تأثير التظاهرات اللبنانيّة على تلك العراقيّة. لا تستطيع طهران حاليّاً تحمّل "خسارة" هذا النفوذ أو جزء منه وهي تتعرّض لحملة الضغط الأقصى من الإدارة الأميركيّة. وإذا كان الحدث البارز في هذا الإطار استقالة الحريري التي أتت بخلاف ما أراده "حزب الله"، فإنّ الحدث الأبرز سيكمن في مراقبة كيفيّة تأثير الاستقالة على مطالب الشعب العراقيّ والاستجابة التي ستبديها الحكومة تجاه ضغط الشارع. يبدو عبد المهدي غير معارض للاستقالة. وقال الرئيس العراقيّ برهم صالح إنّ عبد المهدي "أبدى موافقته على تقديم استقالته طالباً من الكتل السياسيّة التفاهم على بديل مقبول."

لكنّ عبد المهدي، بعكس الحريري، لا يمثّل حيثيّة عراقيّة بعينها بل أتى نتيجة لتسوية بين أكبر كتلتين برلمانيّتين بزعامة رئيس كتلة "سائرون" رجل الدين الشيعيّ مقتدى الصدر وكتلة "الفتح" بزعامة هادي العامري التي تمثّل فصائل من الحشد الشعبيّ. ودعا الصدر العامري أوائل الأسبوع الماضي للتعاون البرلمانيّ من أجل سحب الثقة من الحكومة العراقيّة. وافق العامري الثلاثاء، لكنّ وكالة "رويترز" ذكرت أنّ قائد "قوّة القدس" قاسم سليماني تدخّل الأربعاء وطلب من العامري وقيادات من الحشد الاستمرار في دعم رئيس الوزراء وفقاً لما نقلته عن خمسة مصادر.


الإيقاع نفسه

من اللافت للنظر أنّ التطوّرات السياسيّة في العراق ولبنان كانت تجري على الإيقاع نفسه. فالضغوط لإجبار عبد المهدي والحريري على الاستقالة كانت كبيرة. استقال الحريري الثلاثاء، في الوقت الذي كان يتبلور الاتّفاق في العراق بين الصدر والعامري من أجل سحب الثقة. لكن إذا كان ما نقلته "رويترز" صحيحاً فربّما يكون الإيرانيّون قد ارتأوا ضرورة "فكّ الارتباط" بين ديناميّة الساحتين، لأنّ سقوط الحكومتين دفعة واحدة ومن دون بديل واضح تماماً، يمكن أن يشكّل ضربة بالنسبة إلى الإيرانيّين.

لكن على الرغم من الخطوة الإيرانيّة المحتملة، يبقى أنّ مفاعيل إبقاء الحكومة العراقيّة غير محسومة. من هذه الناحية، أمكن لاستقالة الحريري أن تغذّي الشارع العراقيّ المنتفض لتحقيق الهدف نفسه. وهذا ما رآه وهذا ما رآه أستاذ الفكر السياسيّ في "كلّيّة الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة" التابعة ل "جامعة لندن" الدكتور دارا سلام.

وشرح ل "النهار" أنّه "على الرغم من أنّ التظاهرات العراقيّة بدأت في 1 تشرين الأوّل قبل التظاهرات اللبنانيّة، يمكن أن يُنظر إلى استقالة الحريري على أنّها تغذّي بشكل غير مباشر التظاهرات في العراق لتحقيق النتيجة المرجوّة نفسها. لكن، بالنظر إلى أنّ التظاهرات في العراق تمّ التعامل معها بوحشيّة من قبل الحكومة، على عكس لبنان، إنّ استقالة عبد المهدي لن تحسّن المظالم التي لدى الشعب."

إذاً، ما هي أهداف إيران اليوم في بلاد الرافدين؟

يجيب سلام: "طهران ستفعل أفضل ما بوسعها لإبقاء عادل عبد المهدي أو على الأقل لإبقاء الحكومة الحاليّة في فضائها حتى لو أُجبر على الاستقالة كنتيجة للضغط الصادر عن التظاهرات. إنّ مصلحة طهران الأوّليّة هي الإبقاء على فضاء نفوذها في العراق سليماً، وهو يواجه الآن خطراً حقيقياً من قبل التظاهرات، عبر الميليشيات والقوى السياسيّة المدعومة من إيران."

يبدو أنّ طهران تسعى اليوم إلى الإبقاء على حكومة عبد المهدي ريثما يلعب الوقت لصالحه في تهدئة الشارع مع إطلاق الإصلاحات الموعودة. لكن ماذا لو سقطت الحكومة العراقيّة؟ هل ستتمكّن من الضغط للإبقاء على النفوذ نفسه في الحكومة المقبلة؟ وإن فشلت فأيّ سياسات ستتّبع في لبنان؟

هل هناك أزمة غذاء ومواد استهلاكية في السوق؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard