عنفٌ وطيبة

2 تشرين الثاني 2019 | 13:19

متظاهرون في رياض الصلح (تصوير مروان عساف)

لا تقتل. وها الصور في الذهن راسخةٌ، تسترجعها الذاكرة وتسترجعها بإصرار، وتتفرّغ الكلمات وتَعلق في الحنجرة.

شَهَرُوه ذاك السلاح ليجعلوا الخوف ينتصر. والهول المرعب.

أدين ذاك الذي كان، بالفكر أيضاً، في ساحة الشهداء يعنّف المرأة. أمّه، أخته، خطيبته.

أدين تلك التي قبعت في بيتها وراحت تصفّق لهم لأنهم زوّدوها بحقٍّ ونصر.

لا أدين عمل القمع الذي يهدّد وينهب ويحطّم، والذي ينهال ضرباً وتعنيفاً على الأخ فحسب، بل أدين أيضاً كل الذين يدعمونه؛ أدين التزامهم بقوى الشرّ وخنوعهم الطوعي. فتصوير الخوف أقوى من الخوف نفسه، يختلق لنا شياطيننا، ويولّد مانحيّ موت. كلّا ليست الإطاحة بالخيم السلمية وجهة نظر أخرى، وليس الذراع التي تزمجر وتمزّق وتقتل، وجهة نظر أخرى.

أدين كذلك كلّ ما، في خضمّ ثورتنا، يشيّد حدوداً. فكيف لك أن تزعم القضاء على العدائيّة إن أنت أعليت الجدران وقطعت الطرقات وحُلتَ دون أن يعانق المحبُّ الحبيبَ؟ حان أن ننتقل إلى المرحلة التالية، أن نزيل الحواجز لنَحُلّ في منازل السلام والمصالحة.

حتّى الضحايا لا يضمرون للمعتدين عليهم حقداً. فهم، على حدّ قولهم، إنّما يتظاهرون لأنفسهم ولكرامتهم. إنها لأعجوبةٌ رسالةُ المحبّة تلك التي يحملون. سأل بوذا: "يا بنيّ، إن رفض أحدهم هديّةً، فملكُ من تكون الهديّة؟" فأجابه الرجل: "لمن شاء أن يقدّمها". فأردف بوذا: "لقد أهنتني يا بنيّ لكنني أرفض إهانتك تلك وهي ترتدّ عليك. أولن تكونَ مصدرَ سوءِ طالعٍ لك؟".

لا شكّ في أنّ الخير لا يكمن في الطبيعة ولا هو في العقائد الكبرى، ولا حتّى في الأخلاقيات التي يحدّدها الفلاسفة. بل هو هنا في أولئك الذين يحوّلون الحقد تراحماً ولفتاتٍ يوميةً عطوفةً، ويتفانَون عطاءً في الساحات العامة علّهم يخفّفون البؤس في البلد، ويقدّمون لك أوراقاً لتكتبَ عليها، لترسمَ، لينموَ الأملُ فيك. تراهم يواجهون العنف الضارب بما يسمّيه فاسيلي غروسمان "الطيبة البسيطة التي لا ترتكز على أي إيديولوجيّة أو أي تفكير". الطيبة التي تمتدّ إلى كلّ ما هو حيّ، إلى كلّ ما يسعها أن تلامس فتنظّفه وتصلّحه، تمتدّ إلى الخيمة الممزّقة فتُنهِضها من رمادها برفّة جفن، وإلى العمود المتأرجح أو الغصن الملتوي فتسويهما علّهما يبرآن وتدبّ الحياة فيهما ثانيةً. فإزاء جنون "هذه الأيام التي لا يعود البشر فيها يشبهون البشر"، يطمئننا غروسمان إذ يقول: "لم تضمحلّ تلك الطيبة البسيطة التي لا تفكير وراءها"، ستبقى الملاذ الأوحد "للخير" في "الإنسان". تقاوم وتحتمل كلّ شيء، وقد استمدت وحياً لها من حلم لبنان المجيد ومن التعلّق بتلك الأرض الخصبة التي تُنبِت ألف وعدٍ ووعد. لها وجه الإيمان وفيها سرّ العالم الآخر، موطن الإيمان.

بالنسبة إلى الوطن، إن كُتِب الزوال لهذه الطيبة وكُتِبَت الغلبة للظلم والإجحاف، نعم فلن أتوانى عن طيّ مُتاعي والرحيل. ولن يكون هذا الوطن لي ولا لأمثالي من المفكّرين والفنّانين والكتّاب والمدرّسين والحالمين الذين يعمّرون هذا العالم بدل أن يدمّروه. كلا، لا يبيت الأدب في هامش الحياة. فقد أودى الإحباط بكل من زفيغ وميشيما إلى الانتحار لأنّ الأول شهد تصاعد النازيّة ولم يكن في يده حيلة، وأمّا الثاني فلأنه رأى جندياً أميركياً يدنّس قصره الذهبي.

بالنسبة إلى الإنسان، تكون الثورة قد نجحت في إزالة القناع عن زيف حكّامنا وأتباعهم، وفي التمييز بين ما يسهل الخلط بينه في لبنان، أي الصداقات الصدوقة وتلك الزائفة، بين تلك التي لا تقوم إلا على المصالح التجارية وتلك التي تنشد، على حدّ قول أرسطو، الخير والجمال والفضيلة.

بالنسبة إلى الأجيال القادمة، يكون الضمير منا رَضِيّاً لأنه ناصر الذين يرضخون تحت نير التاريخ وليس الذين يحملون السلاح، ناصر الذين ينشدون "الخير" وليس الذين يعنّفونه. أوقن أنّنا كثرٌ كثرٌ نحن الذين نحلم بلبنان أشدّ عدالةً وأصالةً وقد بَرُأ من سرطانه وغضبه وسكاكينه. في نهاية العالم، تكون المعركة طويلةً ومؤلمةً، لكنَّ النهاية آتيةٌ لا محال. نحن نقوم بما يسعنا القيام به، لكنّ الكثير في وسعنا. حسبُنا أن نحافظ على هذه الطيبة البسيطة التي لن تستطيع أن تنتصر ولا أن تطرد قوى الشرّ، لكن يسعها أن تنتقل من المرء إلى قريبه، خارجاً عن كلّ نظام، عن كلّ ائتلاف، عن كلّ تبعية لرئيس، لوزير، لزعيم، للون، لإيديولوجية، لديانة، لمذهب. "مجانيةٌ هي هذه الطيبة، مجانيةٌ وأبدية".

مدير الجامعة للكل في جامعة القديس يوسف

واستاذ مادة الأدب الفرنسي في كلية العلوم الإنسانية

• ترجمة المقال من الفرنسية الى العربية عميدة كلية اللغات الدكتورة جينا أبو فاضل سعد

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard