في حوار مع بُنيَّتي حول البَرَكات واللعنات والعصر والمدائن

1 تشرين الثاني 2019 | 17:27

الثورة نور (مروان عساف).

البارحة، وأنا أسير في أزقة محلتنا التي بدأ يغزوها العصر، حزنت كثيراً، وتذكرتك يا صغيرتي وتذكرت أخوتك. دمعت عيناي وأنا أتطلع إلى الأزقة والحنايا والأبواب العتيقة التي فرغت من روحها. وروح الأمكنة البرَكة، والبرَكة تتجسّد في كل عصر بأناس الأرض الذين يباركون الأرض ويتبرّكون بها وبمن سبقهم إليها. كم كنت أحبّ يا بنيّتي أن تلتقوا بأناس تباركت بالتراب وباركته، فتقدست كي تقدس بدورها الوجود. حزنت واحترت لأني خفت على دائرة البرَكة. وأنا لا أريدها أن تنكسر. ما أردت أن تُنحر البساطة ويغيب التواضع، فيفقد الوجود معناه. كنت قلقاً من هجوم الأعشاب الضارّة التي بدأت تكتسح الخضرة والبرَكة.

إلا أني، وفي غمرة كل ذلك الخوف، التقيت شاباً صغيراً عرفته ولداً. فحادثته. أسرني كلامه الذي كان إجابة على مخاوفي. فقد أراد المبارك والمبارك أن يبلغني بأنّ زمن الخير لم ينتهِ بالكليّة.

الثورة (مروان عساف).

تكلم الشاب قليلاً فقال: "طموحي يا أستاذ أن أكمل مشوار أبي من سبقني. طموحي أن يكون لي مزرعة صغيرة وعائلة صغيرة تحيا بقناعة وسلام. هدفي أن أعيش بقناعة وتسليم، فأموت بسلام. إنّ راحة البال لا تأتي من البشر والأسواق بل من الأرض. أعشق همس الجبال خريراً تتلوه جداول الوديان. أجاهد بجسدي فأصون سلامي. وما العرق إلا ندى أبناء التراب المتساقط بركةً على حبيبات التراب، فيتجدد عهدنا بالتراب. تفرح حبات التراب بالندى وتسكر بالعرق. فتُخرج لنا خبزاً يشبع الارض".

تأملت كثيراً في طارق وفي كلماته يا بنيّتي. قبّلته، وقلت له: "شكراً أيها المعلم الصغير لأنك نطقت بلسان الملائكة. ما زال في عالمنا أناس تؤمن بالبركة وبالعمل والأرض. شكراً لأنك فتحت لي كوّة في هذا الجدار الكبير".

قبّلت حجارة محلتنا وأزقتها، وتأملت في زرقة غابة زيتونها، ومضيت.

أملي يا بنيّتي أن لا تتعرى الجبال ويتصحر الريف. أملي أن لا تحملنا عوامل التعرية إلى شوارع المدائن وُحولاً، فنصير حيث لا ننتمي، لعنةً. مسكينة المدائن يا بنيّتي، فهي تعجز عن تلبية متطلبات اجتياح البشر. نجعلها سجوناً، فتختنق بالبشر الذين يتحولون إلى عناصر إنتاج وأرقام مؤشرات تزايد معدلات بطالة. نخسر هوية ونربح ضياعاً. نُغرق شوارع المدائن بضياعنا، فترتج وترتعد الشوارع. نثور من تردّي الخدمات وعدم المساواة. نركب أمواجاً تحركها القلة القليلة التي تمتلك الشوارع كي نعيش. فنموت. ننتفض فتلفظنا الأرض إلى البحار البعيدة. نذهب بعيداً حاملين تعاستنا وأحلامنا الضائعة. ننجح أحياناً ونخفق غالباً. لقد أضحت فرص العمل قليلة يا حبيبتي في هذا العالم. فذكاء العولمة الاصطناعي يلتهم الهويات الضائعة التي تتحوّل قنابل.

الثورة (مروان عساف).

إنّ العصر الرقمي وحش لا يرحم من لا يعرف كيف يركب أمواجه ويتحكم بأمزجته. فاحتاطي وتسلحي بكل ما يجعل الإنسان قيمة مضافة. وقيمة الإنسان المضافة روحه وخلقه وخياله وهويته. أسألك أن تكوني ملحاً وبركة. فالعصر يحتاج إلى بركات في وسط الضياع واللعنات.

تنتفض الناس خوفاً، وقلقاً. تنتفض لأنها شعرت بأنها صارت قردة في عزلة. والقردة تتحلق معاً خوفاً من الغريب ومن الآتي. الثقة أساس التبادل والتفاعل. وعندما تنتفي أو تتراجع، تتقهقر الحضارة. الناس اليوم ما عادت تتواصل إلا عبر أجهزة تستغبيها. ما عادت تثق إلا بما تتلقاه عبر هواتفها.

لا، لم يكن الوصول إلى القمر أهم اختراع قام به الإنسان كما تقولين. لا، وليس اختراع الحاسوب والهاتف الذكي والثورة الرقمية كذلك، ولا حتى الثورة الصناعية. اختراع الإنسان الأكبر هو اكتشاف أخيه. فعندما أدرك أحفاد الصيادين وجامعي الطعام بأنّ الآخر ضرورةٌ، نشأت الحضارة. عندما عرف الإنسان بأنه لا يستطيع أن يعيش بدون أخيه، حصلت المعجزة. بدأ الأنسان يتسلل من غربته بعد أن اكتشف بأنّ الموت هو في غربته. عرف أنّ الوسيلة للتألّه هي في التشارك الذي يكمل. فاكتشف الزراعة التي هي اقتران الشمس بالأرض، فصارت صنعته وتكوّنت القبيلة والجماعة. وصار القمح رمز الحضارة وأتى الخمر والزيت كي يثبتها. كيف لا والخبز ثمر الأرض لأولادها! يتحلق البشر جماعات.

الثورة الزراعية هي التي صنعت الحضارة. كان هذا منذ أكثر من عشرة آلاف سنة. الحضارة قوامها تبادل وتفاعل. وأساس التفاعل والتبادل الثقة.

العصر الرقمي يرجع الناس إلى الوحدة والشرنقة والغربة. الخوف عدو السلم.

جميعنا غرباء. جميعنا مدعوون لكسر الغربة.

تنتظر الحضارةُ يا صغيرتي بطلات وأبطالاً يحملون شعلتها. تنتظر الحياة تفاعلاً وحواراً ولُقيا وبركات.

استمعتْ صغيرتي إلى قصتي، وتابعت مسارها في حديقة المنزل بحثاً عن فراشات. علّها قررت أن تكون البَرَكة.

واستكانت لأيام، وما عادت تسألني عن المدائن والاسرار الاهرامات.

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard