"ضمان أمن النفط"... ترامب يبيع جلد الدب بعد قتله

31 تشرين الأول 2019 | 16:38

الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ب).

الميزة الإيجابية لدى دونالد ترامب هي أنه شخصٌ بدائي... فما يقوله هو ما يفكّر فيه. غير أن ما يُفكّر فيه هو ما يراود عقل طفل صغير أو بالغٍ غير متّزن... لأنه قد يفكّر في أشياء كثيرة في الوقت نفسه، أو يُطلق تصريحاً ويُعقبه بتصريح آخر مناقض من دون أن يرفّ له جفن. إنها الثرثرة التي نجدها لدى الأطفال النرجسيين: "أنا أقول ذلك، إذاً أنا على حق. إذا قلت العكس، فأنا على حق أيضاً. ونقيض النقيض؟ أنا دائماً على حق"...

وهكذا أرسل "الدونالد" في حزيران الماضي طائرات لقصف مضيق هرمز في إيران، ثم أمرَ بأن تعود الطائرات أدراجها عندما تذكّرَ فجأةً أنّ بين الأشخاص الذين انهالت عليهم القذائف أطفالاً صغاراً! هل نبكي أم نضحك؟ مَن يصدّق حماقة كهذه؟ مَن يقبل بهذا الهراء؟

هذه المرة، "يبيع جلد الدب بعد قتله"... وقفَ ترامب أمام كاميرات العالم بأسره في صورة زعيم الحرب الظافر معلناً أنه قتل البغدادي، خليفة الدولة الإسلامية. ولم يتورّع، في المؤتمر الصحافي، عن الاستعانة من جديد برواياته الطفولية: هو يدير العملية عن بعد آلاف الكيلومترات ويتابعها عبر شاشة، داخل خندق على الأرجح - "كان الأمر كما في الأفلام"، بحسب ما ورد بغباء على لسانه – ويصف الخليفة بـ"الكلب" بعدما قال إنه لقي مصرعه مذعوراً وذليلاً ومرتعداً من شدّة الخوف، حين لاذ بالفرار كما الجبناء مع أطفاله الثلاثة وصولاً إلى نهاية نفقٍ تحت الأرض قبل أن يُفجّر السترة الناسفة التي كان يرتديها. هذه هي الرواية التي ساقها ترامب؛ وغالب الظن أنه سيُنتَج فيلمٌ بميزانية ضخمة لفرض هذا السيناريو بصورة نهائية، انطلاقاً من تجربة سابقة أثبتت جدواها من خلال فيلم "اليوم الأطول" (The Longest Day) عن إنزال النورماندي في 6 حزيران 1944.

ولكن هذا الخطاب العلني الكوني يُقرّ بأن العمليات العسكرية الأميركية لا ترضخ سوى لمنطق واحد، وهو "ضمان أمن النفط"، وفقاً لما ردّده ترامب بنفسه تكراراً!

أما بوش الأب والابن فقد روّجا أقله لمظاهر خادعة، مساهمَين بذلك في تسهيل عمل برنار هنري ليفي وأصدقائه. فهما كانا يتحدثان عن الديموقراطية والحرية في الشرق، أو عن القضاء على نظام ديكتاتوري في العراق، أو عن منع حدوث حمام دماء مزعوم في ليبيا! وفي كل مرة، كانت للقصف أسبابٌ جيدة رُبِطت جميعها بإعلان حقوق الإنسان والمواطن وبتبريرات سليمة عن الحضارة الإنسانية: كان يتوجّب تمدين هؤلاء البرابرة ونقل الحضارة إليهم مهما كان الثمن! ومنذ عام "1798"، ثمة عددٌ كبير من الشعوب التي يجب أن تُقدَّم إليها الحرية والمساواة والأخوة على طبق دسم وبرّاق مصنوع من دماء الآخرين!

وهناك أيضاً الذريعة الجاهزة غب الطلب، ألا وهي الدولة الإسلامية التي قال الحريصون على اللياقات إنها ليست دولة ولا هي إسلامية، وإنه من الأنسب تسميتها "داعش". إذاً كانت الدولة الإسلامية مصدر جميع الأعمال الإرهابية التي ارتُكِبت، من دون استثناء، على الأراضي الفرنسية! وكأن دمار الجمهورية والأمة الذي أراده برنار هنري ليفي وأتباعه طوال سنوات لصالح سوق كبرى أوروبية ثم كونية لم يكن كافياً لتفسير ظهور عدميّة فرنسية تُغذّي الالتزام الإسلامي المتشدد لدى فتيان تائهين لا يمتلكون أي هوية أخرى فيما خلا هذه الهوية الإسلامية السهلة والمصطنعة!

إذا كانت فرنسا قد لجأت إلى القصف في الخارج، فالسبب هو أنها أرادت أن تمنع القتل أو توقفه هنا. ولكن فيما كانت فرنسا تقصف هناك، استمر القتل هنا لا بل ازدادت وتيرته! ما هي الخلاصة التي توصّلوا إليها إذاً؟ بدلاً من أن يستنتجوا أن القضية ليست هناك، اعتبروا أن القصف لم يكن كافياً... وأن آلة القتل يجب أن تستمر. بعبارة أخرى، يجب تدمير بلدان، والقضاء على إرهابيين وأنصارهم، بالطبع، إنما أيضاً القضاء على جميع المسلمين الذين يعيشون حياة هانئة في منازلهم في هذه البلدان من دون أن يكونوا قد فعلوا شيئاً لأحد ولا طلبوا شيئاً من أحد، والذين دُمِّرت منازلهم تحت وابل القذائف الأميركية والفرنسية. ولكنّ قتْلَ الأطفال الذي هو ذروة الهمجية عندما يرتكبه الخليفة الإسلامي، يُنظَر إليه بأنه ذروة التمدّن عندما تتسبّب به الجرائم الأميركية. الأطفال مساكين حقاً، إنهم ضحايا النزاعات على اختلافها...

دعونا إذاً من الخطابات المتساهلة الصادرة عن جميع أصدقاء الولايات المتحدة التي تحتاج قبل كل شيء إلى النفط لتسيير شؤون شركاتها، وتزويد سياراتها الضخمة بالوقود، وتشغيل المكيفات أو أجهزة التدفئة. ما هي سياستها الخارجية؟ إنها، أولاً وقبل أي شيء آخر، وضع اليد على نفط الآخرين والاستمتاع به. وخارج ذلك، لا شيء على الإطلاق.

لو أن الدولة الإسلامية لم تسيطر على النفط العراقي الذي يُباع إلى تركيا ورئيسها أردوغان (إنما من دون أن يرى برنار هنري ليفي حاجة إلى قصف اسطنبول...)، أجزم لكم أن الخليفة وأطفاله الثلاثة كانوا لا يزالون على قيد الحياة – شأنهم في ذلك شأن زافييه دوبون دو ليغونيس [المشتبه به في قتل زوجته وأطفاله الأربعة والمتواري عن الأنظار] – وأن الولايات المتحدة لم تكن لتكترث على الإطلاق لوجود الدولة الإسلامية أو عدم وجودها!

إذاً أوحى ترامب تكراراً، بسذاجة، أنه لا شأن للولايات المتحدة بحقوق الإنسان والحرية والديموقراطية في العالم، وأن ما يهمّها هو مصلحتها في كل مكان، وأن هذا الاهتمام بالذهب الأسود يُبرّر حربَي الخليج وتدمير العراق وليبيا، وقتل الخليفة الذي تتمثّل خطيئته الوحيدة، في نظر الأميركيين وحلفائهم، لا في نحر الأشخاص وشنقهم وقطع رؤوسهم ورجمهم بالحجارة وبثّ الرعب، بل في امتلاكه الوسائل التي كانت تتيح له فتح حنفيات الحقول النفطية أو إغلاقها كما يحلو له.

ومَن يشكّ بعد الآن في أن ذلك يثير غضب المسلمين في مختلف أنحاء العالم؟

لقد دعا ماكرون، منذ فترة وجيزة، إلى التيقّظ في مواجهة التشدد الإسلامي. فليبدأ هو نفسه بإعطاء المثل بدلاً من الدعوة إلى الوشاية على مختلف الأراضي الفرنسية: إنه صاحب سلطة في هذا المجال، فهو رئيس الدولة.

لقد عرف جاك شيراك كيف يمحو جميع إخفاقاته السياسية، وكانت كثيرة، من خلال الاعتراض على حرب الخليج، ثم من خلال التعبير عن غضبه من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي منعت فلسطينياً من مصافحته في القدس. هذه كانت طريقةً لمقاربة السياسة الدولية على نحوٍ مغاير عن السياسة القائمة على الاعتبارات النفطية والقصف الجوي.

موتُ الخليفة لا يعني نهاية الخلافة. إنه الوحش المتعدد الرأس الذي تحدّث عنه ماكرون – ولكن هل أدركَ ما هي الصورة الخيالية التي أثارها من خلال استخدامه هذه الاستعارة المجازية؟ نشكّ في ذلك... الواقع هو أنه في كل مرة يُقطَع فيها رأسٌ من رؤوس الوحش، ينبت رأسٌ آخر مكانه. إذاً أقرّ ماكرون، رغماً عنه، بأنها معركة خاسرة في الأساس، إلا إذا كان هو هرقل الجبّار، ولكن بما أننا لمسنا أنه ليس سوى جوبيتر، نشكّ في أن يكون هو نصف الإله المناسب لقطع دابر الوحش! سوف يستعيد البعض في بلدانٍ إسلامية الشعار القديم: "مات الملك، عاش الملك". فلنترقّب ماذا سيكون اسم الخليفة المقبل. وعندئذٍ نعود إلى نقطة البداية.

باعة القنابل هم مَن يفركون أيديهم ابتهاجاً على الدوام. ومعهم حفنة من كبار الشخصيات ورؤساء الدول الذين يروّجون لبضاعتهم.

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard