نداء إلى الثوّار

31 تشرين الأول 2019 | 10:04


أيّها الثوّار،

شكرًا لكم. لقد أعدتم إلى أنفسكم، وإلينا، وإلى لبنان، بعضًا من الجبين الذي هو أعلى من كلّ الجبال (سمير عطالله).

وبعد،

ليس عبثًا ذلك الشعارُ الجوهريّ الذي أطلقتموه في أنحاء الجمهوريّة – "كلّن يعني كلّن" - من عكّار والضنّيّة وطرابلس والكورة وزغرتا وبشرّي والبترون وجبيل وكسروان والمتنين والشوف وعاليه والنبطيّة وصور وصيدا وبعلبك والهرمل وبريتال...

ليس عبثًا، ولا ارتجالًا، ذلك الشعارُ الجوهريّ الهادر من أعالي حرمون وصنّين والمكمل إلى فقش الموج على السواحل، لأنّه تعبيرٌ عن اللاوعي الجمعيّ غير القابل للتلوّن والخبث والمكر والمراوغة والكذب والممالأة.

"كلّن يعني كلّن"، هو تعبيرٌ أبيض ناصعٌ لا تأويل له سوى هذا التأويل: جميع أهل الطبقة السياسيّة هم أعضاء في هيكل السلطة، وإنْ اختلفوا في الظاهر. فعبثًا يُرتجى الخير من الطبقة السياسيّة، أو من أيِّ واحدٍ منها، وفيها.

هذه الطبقة السياسيّة عبءٌ على ينابيعنا وهوائنا وزهورنا وبساتيننا وأرزنا وزيتوننا. وهي عبءٌ على أرواحنا، وعلى أطفالنا، وعلى شابّاتنا وشبّاننا، وعلى قبورنا، وعلى ضرائحنا، وعلى موتانا، وعلى أحلامنا، وعلى ما بقي من أعمارنا. لم نعد نستطيع أنْ نتحمّل أحدًا منها.

الحكومة هي واجهة هذه الطبقة. يجب استيعاب صدمة الاستقالة، وتثميرها في عمليّة التغيير الشاملة، لا الوقوف عندها، والتلهّي باحتمالاتها أو المراهنة على المناكفات الناجمة عنها.

لقد أسقطتم الحكومة بما هي تجسيدٌ مادّيٌّ مباشرٌ للطبقة السياسيّة، وليس لأنّ أعضاءها هم فقط هؤلاء الأعضاء بالذات، وليس لأنّ رئيسها هو فقط هذا الرئيس بالذات، الذي يستحقّ ما يستحقّه المسؤولون الآخرون.

أيّها الثوّار،

لقد صنعتم ما لا يُصنَع، وأنجزتم ما كنّا نعتبره مستحيلًا من المستحيلات. فاسهروا وتنبّهوا وتيقّظوا واضغطوا.

اسهروا وتنبّهوا وتيقّظوا واضغطوا من أجل أنْ نُعطى – بصلابتكم ونزاهتكم وحرّيّتكم واستقلاليّتكم ووعيكم وحكمتكم واتّحادكم الخلّاق - حكومةً حياديّةً، حرّةً، مستقلّةً، متخصّصةً، وخبيرةً، تضع الإصلاحات الجوهريّة، الاقتصاديّة والاجتماعيّة والماليّة والمعيشيّة، على سكّة التنفيذ الفوريّ، وتُقرّ على الفور استقلال السلطة القضائيّة استقلالًا تامًّا ونهائيًّا عن السلطتَين التنفيذيّة والتشريعيّة، وتجترح قانون انتخاب مدنيًّا ديموقراطيًّا يعلو على كلّ الشبهات الفتنويّة والفئويّة والطائفيّة والمذهبيّة، تُجرى على أساسه انتخاباتٌ سياديّةٌ، نزيهةٌ، تتيح تجديد إنتاج السلطة التشريعيّة، التي تنوء تحت وطأة المصادرات والإقطاعات من كلّ نوعٍ وجنس. على أنْ يتواكب ذلك ويتزامن مع إنشاء مجلس للشيوخ وفق الدستور.

أيّها الثوّار،

اسهروا وتنبّهوا وتيقّظوا واضغطوا من أجل أنْ نُعطى في ضوء هذا التصوّر الثوريّ، حكومةً كالحكومة المُشار إليها أعلاه، ومجلسًا للنوّاب كالمجلس المشار إليه أعلاه، ورئيسًا للجمهوريّة وفق الدستور.

أيّها الثوّار،

شعارُكم الثوريّ العظيم الذي رفعتموه منذ اليوم الأوّل (كلّكن يعني كلّكن)، يجب – نعم يجب – أنْ يُوعَى ويُستوعَب جيّدًا وبحكمة (الآن خصوصًا)، من أجل أنْ يواصل شقّ طريقه - المفخّخة بالصعاب والمستحيلات - من دون أنْ يكون طريق الثورة هو الضحيّة، ومن دون أن تكونوا أنتم كبش المحرقة والضحايا.

الطبقة السياسيّة "سيستامٌ" مؤسّسيٌّ، بنيويٌّ (وليست فقط أشخاصًا)، أي كلٌّ جهنميٌّ، متكاملٌ، متكافلٌ، متضامنٌ، ذكيٌّ، انتهازيٌّ، وماكرٌ.

هذا يتطلّب منكم أنْ تعوا طبيعة هذا "السيستام"، وجملة مكوّناته الدستوريّة والقانونيّة، من جهة، وأنْ تستوعبوا، من جهةٍ ثانية، النقاشات في ما بينكم، والاختلافات في الرأي (ولا سيّما الانفعالات)، والرؤى، والتصوّرات، وأنْ تحتضنوها كلّها لتندرج في صالح ثورتكم، وأنْ تعوا حجم المسؤوليّات التاريخيّة الملقاة على عملكم غير المسبوق في تاريخ الجمهوريّة اللبنانيّة، وأنْ تتداركوا مسبقًا النتائج المترتّبة على كلّ خطوةٍ، من أجل أنْ تُخطى في أوانها الحكيم، وأن تقع في موقعها الملائم والمنسجم مع حركة الواقع والتاريخ.

أيّها الثوّار،

انتبهوا جيّدًا: العاملون المسؤولون في الطبقة السياسيّة هم فقط موظّفون.

الطبقة السياسيّة ليست هي النظام، ولا الدستور.

الدستور شيءٌ آخر تمامًا.

تغييره، أمرٌ بالغ الاختلاف والتعقيد، ولا أعتقد أنّ المطلوب في اللحظة التاريخيّة الراهنة (أو أنّ في المستطاع الموضوعيّ) القيام بانقلاب. فانتبِهوا.

أيّها الثوّار،

كُثُرٌ ثوّارٌ سابقون وأنقياء و(ربّما) حكماء، يضعون أنفسهم تحت تصرّفكم: مجّانًا، بلا منّة، وبلا مقابل، و... بلا أبوّة. كُثُرٌ غفيرون ومتواضعون، وأنتم تعرفونهم.

Akl.awit@annahar.com.lb

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard