لماذا تنجح التظاهرات السلميّة أكثر من تلك العنفيّة؟

30 تشرين الأول 2019 | 21:37

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

احتجاجات طرابلس - "أ ب"

يبدو أنّ لبنان على طريق تثبيت قاعدة مهمّة في الحراكات المطلبيّة والتظاهرات الشعبيّة. حقّق المتظاهرون اللبنانيون أوّل هدف في سلسلة الأهداف التي وضعوها نصب أعينهم منذ 17 تشرين الأوّل. تحت ضغط الشارع، أعلن رئيس الوزراء سعد الحريري أمس الثلاثاء وضع استقالته بتصرّف رئيس الجمهوريّة والشعب اللبناني واضعاً حدّاً لمسيرة حكومة لم تعمّر كثيراً ولم تفلح في معالجة الشؤون المعيشيّة الملحّة. استطاع جزء كبير من اللبنانيّين تنظيم تظاهرات سلميّة إلى حدّ بعيد، خصوصاً بعدما نظّموا حراكهم بدءاً من اليوم التالي على انطلاقها. 

تنوّع التعبير عن الأساليب السلميّة لتلك التظاهرات، بدءاً من هتافات التضامن التي أطلقها منظّمو الاحتجاجات مع مناطق أخرى وصولاً إلى اعتصامات ليليّة في مدن عدّة تخلّلتها ندوات ثقافيّة وفنّيّة. وعلى الرغم من تعرّض بعض المتظاهرين إلى أعمال اعتداء وتخريب كما حصل أمس مع تكسير الخيم في ساحة الشهداء، أصرّ المحتجّون على الاستمرار بسلميّة حراكهم. وفي نهاية المطاف، كان لهم ما أرادوا، أو على الأقلّ جزء أساسيّ ممّا أرادوا: إسقاط الحكومة.

القضيّة ليست أخلاقيّة فقط

تُوافق الغالبيّة الساحقة من المدنيّين في لبنان وحول العالم على أنّ التظاهرات السلميّة للتعبير عن المطالب يعبّر عن توجّه أخلاقيّ وقيميّ في الدفاع أو الحصول على حقوق معيّنة. لكن ما يضيفه بعض مراقبي شؤون الحراكات الاحتجاجيّة هو أنّ سلميّة التظاهرات لا ترتبط فقط بالأخلاق وإنّما أيضاً بالفاعليّة. في 14 أيار الماضي، أعدّ دايفد روبينسون في هيئة الإذاعة البريطانيّة "بي بي سي" تقريراً استند فيه إلى ما جاء في كتاب العالمة السياسيّة في جامعة هارفارد إريكا شينووَث والباحثة في "المركز الدوليّ للنزاع غير العنفيّ" ماريا ستيفان: "لماذا تنجح المقاومة المدنية: المنطق الاستراتيجي للنزاع غير العنفيّ".

اللافت أنّ شينووَث نفسها كانت مشكّكة في فرضيّة أنّ الاحتجاجات السلميّة أكثر فاعليّة من الاحتجاجات العنفيّة مع بدء أبحاثها. لكن بعد ذلك، وجدت أنّ لدى النوع الأول من الاحتجاجات فرص نجاح تضاهي ضعفي حظوظ نجاح النزاعات العنفيّة: 53% مقابل 26%. واستند البحث إلى التحركات الاجتماعيّة من سنة 1900 وحتى 2006 وقد شمل 323 حملة عنفيّة وغير عنفيّة.

أسباب

تطرح شينووَث عدداً من الأسباب التي تفسّر هذه الظاهرة، من بينها قدرة الاحتجاجات السلميّة على جذب عدد أكبر من المشاركين ممّا يساهم في شلّ الحياة المدنيّة. كما أنّ تقنيّات الاحتجاج مرئيّة أكثر ويمكن للمتظاهرين معرفة طرق المشاركة وتنسيق التحرّكات. من جهة أخرى، تحتاج الاحتجاجات العنفيّة إلى شبّان أقوياء وإلى العمليّات السرّيّة. بالتالي، يصبح عدد المشاركين أقلّ بكثير. وثمّة سبب آخر سردته الباحثة، وأمكن ملاحظته في الساحة اللبنانيّة، وهو أنّ الاحتجاجات السلميّة واسعة النطاق ستكسب على الأرجح دعم الشرطة والجيش، الجهازين اللذين تستند إليهما السلطات لضمان استمراريّتها.

جذب الكتاب، ولا يزال، عدداً من التقارير بين 2011 و 2019 كما كانت الحال مثلاً مع صحيفة "واشنطن بوست" وموقع "ساينس أكس" وغيرهما. استطاعت هذه الدراسة، وربّما على عكس ممّا هو شائع، أن تضع إطاراً جديداً لفهم قدرة الاحتجاجات السلميّة على إحداث تغيير في موقع صناعة القرار. لا شكّ في أنّ أسماء تاريخيّة مثل مارتن لوثر كينغ والمهاتما غاندي ونيلسون مانديلا وغيرها تركت بصمة كبيرة في مسيرة مناشدة التغيير بطرق سلميّة. لكنّ الدراسة قدّمت أرقاماً واضحة أكّدت أنّ السلميّة ليست أسلوباً نابعاً من "المُثُل" وحسب بل هي آليّة ضروريّة لاستثمار أكبر عدد من الفرص الممكنة للنجاح.

إشكاليّة

بطبيعة الحال، لا تعني هذه الدراسة أنّ كلّ تظاهرة سلميّة ستنجح. هنالك 47% من الاحتجاجات السلميّة قد فشلت في تحقيقها أهدافها وفقاً للكتاب. لكن إذا خُيّر المتظاهرون بين الرهان على السلم أو على العنف للوصول إلى أهدافهم فالأرقام واضحة لمن يريد كسب النسبة الكبرى من الفرص.

يمكن العثور على شرح بديل لذلك ذلك في تحليل الدكتور جيسّه ماركزيك الذي نشره موقع "سايكولوجي توداي" المتخصّص بالصحّة النفسيّة منذ سنتين: "عادة، اللاعنف هو الخطوة الأولى الأفضل". على الرغم من ذلك، إنّ "عدم كونك عنيفاً لا يعني أنّه سبق لك أن ربحت الخلاف، (بل) فقط أنّك لم تخسره".

تفرض التظاهرات نفسها بوصفها شكلاً من أشكال الصراع السياسيّ بين المحتجّين وأصحاب السلطة. لكنّ المشهد السياسيّ غالباً ما يحوي أكثر من هذين الطرفين. ثمّة في العادة طرف ثالث من الجمهور الذي قد يتردّد بداية بين الوقوف مع المتظاهرين أو الاصطفاف بجانب صانع القرار أو الإبقاء على حياده. وهذا ما يفسّر كون التظاهرات مثيرة للإشكال في كثير من الأحيان. فهي تدفع إلى واجهة الأحداث، مشكلة مهمّة بالنسبة إلى جزء من الجمهور وهامشيّة بالنسبة إلى الجزء الآخر، أو بالحدّ الأدنى غير متمتّعة بالأولويّة. وقد ينسحب الخلاف أيضاً حتى على طريقة التعبير عن هذه المشكلة. وتعطي سلميّة التحرّك فرصة أكبر للحصول على تعاطف الطرف الثالث، في مكسب إضافيّ للضغط على السلطات. وبالعكس، يمكن المظاهرات العنفيّة أن تدخل نفسها في صراع خاسر مع بيئتها.


ملعب السلطة

تخضع التظاهرات لتشابك عوامل سياسيّة وأمنيّة مختلفة. قد يعتمد المتظاهرون الأساليب السلميّة، لكن ماذا لو ردّت السلطة بالقمع؟ السؤال إشكاليّ ويمكن ألّا يحمل جواباً واحداً بالنسبة إلى جميع الحالات. غير أنّ شينووث، وفي مقابلة مع مجلّة "هارفارد غازيت" في شباط الماضي، رأت أنّ انزلاق المتظاهرين إلى الأساليب العنفيّة لن يخدمهم. سيكون هؤلاء قد أدخلوا أنفسهم بذلك إلى ملعب السلطة، "وسيتعرّضون على الأرجح للسحق بشكل كامل."

لن تضمن الاحتجاجات السلميّة النجاح في جميع الأحوال. والأهمّ أنّ هذه السلميّة لن تضمن سهولة ابتكار الحلول ولا التوصّل إلى النتائج. سيظلّ المحتجّون بحاجة لإقناع الآخرين بأنّ حاجاتهم شرعيّة ومطالبهم منطقيّة وتناسب مصالح الآخرين. وكما ذكر ماركزيك: "إنّها ليست مهمّة سهلة، بالتأكيد، ... (لكنّها) فقط أفضل طريق للمضيّ قدماً."

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard