تدمير الهيكل جريمة بحق الوطن

30 تشرين الأول 2019 | 12:54

ساحة الشهداء (تصوير نبيل اسماعيل).

وأخيراً إنتفض المواطن اللبناني وبغض النظر عن إنتمائه الطائفي او المناطقي، على السياسات الاقتصادية والماليّة للدولة وعلى الممارسات اليوميّة لحكّام الوطن في معالجتهم لأمور الناس وتصرّفهم بأموال الدولة والمكلفين دون حسيب أم رقيب. وقد أحبطت هذه الصحوة وستحبط كل محاولات التفرقة والتباعد، وتخطت كل محاولات التخويف بسقوط الوطن.

لماذا هذه الثورة؟ وما هي اسبابها القريبة والبعيدة ؟

توّلت السلطة عند إنهاء الحوادث الأهليّة مجموعات افرزتها الحرب، تفتقر إلى فنون الحكم والحوكمة والفكر العلمي لإدارة الدولة ضمن مخطط له أهدافه ومقوماته وشروطه، بإستثناء فترة وجيزة تجلّت بإعمار الوسط التجاري. وأقولها بصراحة، لا أوافق على سوليدير كوسيلة لإعادة الإعمار لما فيها من ظلم لأصحاب الحقوق وتعدّ على الملكية الخاصة.

شعار الحكام الجدد كان المحاصصة والمشاركة في إقتسام الحصص للحفاظ على مناصب أتت إليهم بفعل حرب كانوا هم أنفسهم أدواتها ووسائل إضرامها وليس بفضل علمهم او برامجهم او سياسات أعلنوا عنها لصالح المجتمع والشعب الذي يطلبون تمثيله والتحدّث بإسمه. ما شعروا يوماً بمسؤوليّة الحفاظ على وطنهم وإنما على مناصبهم، وبالتالي على الأدوات المالية التي تسمح لهم بالإستمرار في إقتسام مغانم الوطن على حساب المواطن. لقد مكنّتهم المذهبيّة، وبإسم التوازن الطائفي للأسف، من التلاعب بمشاعر المواطن حتى أصبح كل منّا يخاف الآخر ويعتبر ان مرجعيّته هي الملجأ الأمين لإستمراره وإستمرار مقومات حياته، فباع المواطن نفسه لعشيرة أو لحزب أولمنظمة لا تأبه إلا لمصالحها.

قُتلت المواطنيّة من أجل أن تحيا القبلية والعصبيّة والمذهبيّة المتزمّتة، فضاع الوطن وأصبحنا شتاتاً يتقاسمنا زعماء العشائر والمذاهب حفاظاً على مصالحهم ومكتسباتهم.

وفي سبيل تكريس هذه المكتسبات أصدرت قوانين إنتخابيّة مفصّلة على قياس اللذين صادروا الحقوق غير عائبين بواجباتهم وبمسؤولياتهم.

اضحت السياسة مهنتهم، مهنة تبتغي الربح وليس الخدمة العامّة. وهكذا بدأ عهد الإنهيار والشح.

أضف إلى كل ما سبق إرتباط البعض والكل بسياسات المحاور التي ليس لبلدنا أي مصلحة فيها، فأصبحنا ندور في فلك الصراعات الإقليميّة مما دمّر إقتصادنا ومؤسساتنا وقلّل من فرص العمل ونحر الإقتصاد، فأصبحت الهجرة السبيل الوحيد لكسب الرزق والحياة الكريمة.

فلا يغشّكم من يحاول تضليلكم و يوجّهكم إلى الوجهة الخاطئة.

ها هم اليوم يطلبون مهلة جديدة لإصلاح ما دمّرته سياساتهم خلال عقود ويحاولون في الوقت نفسه إلقاء تبعيّة الإنهيار على المصارف، وعلى مصرف لبنان بالذات (يا لسخرية القدر)، الأمر الذي ما كان إلا لغاية في نفس يعقوب.

مصرف لبنان ليس من يرسم ويخطط سياسة لبنان الإقتصادية والمالية. مهمته المحافظة على قيمة النقد وسلامة القطاع المصرفي الذي إدّى خدمات جليلة للبنان في أحلك الظروف.

التحامل على الحاكم شخصي، والكل يعلم أنّه، بالرغم من المصاعب التي واجهتها البلاد، سعى إلى توفير الإحتياطي اللازم لتمويل حاجات لبنان الأساسية.

هل حدثت أخطاء؟ ربما. ولكن أن ندمّر الهيكل على رؤوسنا إنما جريمة بحق الوطن والنقد الوطني ولقمة عيشنا.


"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard