"بدنا نبني وطن"

28 تشرين الأول 2019 | 19:44

من أجلهم أيضاً... نريد وطناً (حسام شبارو).

"إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بُدّ أن يستجيب القدر"

وها "بالليل ينجلي"، وها "بالقيد ينكسر"!

استفاق شعب لبنان من غيبوبته،

وحطّم قيود الخنوع والعار

استعاد شعب وطني كرامته،

وعلا صوته ليرفض الذل والاستهتار

استذكرَ أبناء لبنان تاريخ الفخر والاعتزاز،

وإذ بالكرامة هدير صاخب يزمجر

وبصوت واحد جهوري نقول: كفى

كفى استباحاً بالإنسان، بالأرض، بالقيم

كفى التهويل بالخوف من الآخر

كفى شرذمة أبناء الوطن، علّهم يتقوقعون، وينكمشون على ذاتهم

كفى اعتبار أبناء لبنان سِلعة تُباع وتُشترى وفقاً لمصالحهم

كفى تضليل شعب وطني، وتبرير سياسات الآخرين على أرض الوطن

كفى تناسي مسّلماتٍ نادى بها واضعوا الميثاق فتوافقوا على أن "لا يكون لبنان مقراً أو ممراً لأحد"،

وتبنوا شعار "لا شرق، ولا غرب"، ليدرأوا به مخاطر الاصطفافات.

(حسام شبارو).

وها نحن اليوم،

وقد دوَّى صُراخٌ يرعُدُ شامِخاً في أنَفِ الجبال، يْرتقِصُ ساخِطاً في َوداعةِ الأودية،

وقد أضحت الكرامة هَديراً صاخباً يُزمْجر ليدْحرَ عارَ الخنوع ؛ وبات الأمل نغماً عذباً يهمسه الأثير.

وبعدما رفضنا طبقة سياسية لم تعِ لجراحنا، ولم تأبه لوجعنا

وبعدما نفَضْنا غُبار التخلف، والضغينة، والانقسام

وبعدما تشابكت الأيدي وتضامنت جبلاً وساحلاً، بقاعًا ووسطًا، جنوبًا وشمالًا،

وبعدما علا الصوت جهوراً ليهتف:"كلُن يعني كلُن"!

فماذا بعد؟

هل نُفرّط بثورة تُعيد الحياة إلى أوصال الوطن؟

هل يحق لنا إضاعة انتفاضة كالتي نعيش، أم ننتهزها وعياً للتلاقي على مبادئ ثابتة يتوافق عليها كافة أبناء الوطن!

وبعدما صرخنا: "كلُن يعني كلُن"

لنهتُف جميعاً: "بدنا نبني وطن"

ونتوافق مُجدداً على مبادئ توطد معالم الوطن، وتدعم ركائز لبنان.

فلبنان أرض شهادة ارتضيناها ملجأ لكل مضطهد في هذا الشرق

أرض حرية اخترناها في زمنٍ لم يكن لهذا المفهوم من معنىً

أرض رسالةِ تآخٍ ابتغيناها، فقدم كلٌّ منّا تنازلات جِسام لنبني معاً حُلماً صَبَوْنا إليه.

• إن لبنان لم ُيبنَ على قاعدة العدد ولا على مبدأ الدين، بل على قاعدة التوافق المسؤول والتوازن بين كافة عائلاته الروحية، من أجل العيش ضمن دولة المؤسسات في إطار نظام ديموقراطي يحترم التعددية والمناصفة، ويعتمد اللامركزية الإدارية الموسعة.

فتتجلىّ عندها، بحق، ميزة لبنان الفريدة في عيشه المشترك على مرّ السنين، بحيث، وبحسب مقولة الشيخ قبلان عيسى الخوري، "يعتبر المسيحي اللبناني أن فيه شيئاً من الإسلام، ويعتبر المسلم اللبناني أن فيه شيئاً من المسيحية"، فلا يبقى التناحر على السلطة للاستئثار بها أو خوفاً من الآخر، بل تنافس حضاري ليعود لبنان كسابق عهده مهد حوار الأديان، والبرهان الأكيد على قدرتها أن تتفاعل في ما بينها لتبني مستقبلاً أفضل.

• ونعترف، أن لبنان لم يكن يوماً مساحة جغرافية بل كان، وسنُعيده، ليَبقى رسالة في الحرية، درساً في الحضارة، وأمثولة في التسامح!...

فإن كنّا حقاً نريد بناء لبنان الوطن، وإن كنّا حقاً نُؤدي ولاءنا للبنان أولاً وآخراً، وإن كنّا فعلاً نريد العيش معاً بحرية، وكرامة، واحترام متبادل، وإن أردنا بإخلاص التطلع إلى بزوغ فجرٍ جديد ينْعَم به أولادنا، فلنرتقِ معاً إلى مستوى التضحيات والمسؤولية، ولنجرؤ بطرح أفكارٍ بنَّاءة تدرأ عن لبنان أخطار تفاعلات الخارج، نُزيل بموجبها مَقولَة أن "ضعفنا في تنوعنا"، ونجعل من هذا التنوع ميزة تكون قدوة للشرق.

(حسام شبارو).

• لنجرؤ ونعترف بالمسلمات الآنف ذكرها لأننا ارتضيناها، وما زال الجميع يزايد بها

• لنجرؤ ونقول، إنه حان الوقت لنعلنَ معاً، دون تخوين أو مُغالاة، أن هذا الوطن الصغير بمساحته، العظيم بشعبه، قد سدّد أكثر من قسطه للدفاع عن قضايا العرب وتجاذبات المنطقة، وأي سائل بتسديد المزيد يكون مجحفاً بحقه؛ لذا، فقد حان الوقت لنطالب جميعاً ونضغط على الحكومة المقبلة، للطلب من الأمم المتحدة بإعلان لبنان دولة محايدة، فنَنْأى عن هذه الأرض المقدسة، لما تضرجت بدماء الشهداء، ذِلّ استباحتها من كل عابث وعابر.

فبعد أن فقد الشعب ثقته بكافة الطبقة السياسية، ولم تعد تشفي غليله الوعود المطروحة، لم يبقَ سوى الجيش يحظى بالمصداقية، ويحافظ على شرعيته، رغم كل المحن والتجاذبات التي مرّ بها.

لذا أسمح لنفسي وأناشد فخامة رئيس الجمهورية، المؤتمن على الدستور، القيام بمشاورات عاجلة مع دولة رئيس الحكومة لتقديم الاستقالة، ومن ثَم، التشاور في ما بينهما ومع دولة رئيس مجلس النواب لتعجيل الاستشارات النيابية، والاتفاق على أخذ قرارات على قدر مسؤولياتهم، وعلى قدر وجع اللبنانيين، وعلى مستوى الخطر المحدق بلبنان.

فيعلنون تأليف حكومة إنقاذ وطني، لفترة أقصاها ستة أشهر، مؤلفة من الجيش يعاونها فريق عمل مصغّر، من أهل الاختصاص في مجال الاقتصاد، والقانون، والعلم الاجتماعي، مشهود لهم بالكفاءة ونظافة الكف، مع برنامج واضح يُسألون عنه من قبل الشعب، فالنجاح محتم عليهم لأن شعب وطني قد استعاد كرامته ولا عودة إلى الوراء.

أما برنامج الحكومة العتيدة، فهذه أفكار من بعض:

I- تنكبّ أولاً، على معالجة الوضع الاقتصادي المتدهور

• تضع خطة اقتصادية متكاملة لتقويم الوضع المالي والاقتصادي

• تضع آلية عمل لاستعادة الأموال المنهوبة، وتقترح القوانين مع تشديد العقوبات لمنع الهدر والمحاصصة

II- تنكبّ ثانياً، على وضع قانون انتخابي عصري وحديث، يأخذ بالاعتبار الخصوصية اللبنانية

• يلحظ النسبية الواضحة، ويمنع الرشوة تحت طائلة إلغاء النتيجة، ومعاقبة الراشي والمُرتشي، بجرم الرشوة والقبول بها، فيسمح بذلك انتخاب كفاءات جديدة عنوانها وطموحها خدمة الشعب

• إحالة القانون إلى المجلس النيابي ومناقشته، لكي يدعَى لانتخابات مبكرة في حدود مدة أقصاها خمسة أشهر

III- تنكب ثالثًا، على معالجة الوضع المعيشي المستشري

• تضع خطة اجتماعية واضحة وآنية لمعالجة هموم الناس كتعليم أولادهم، والطبابة، إلخ...

• وتضع القوانين بشأنها، فتحولها على المجلس النيابي لمناقشتها والمصادقة عليها

IV- تنكب رابعاً، على تحصين القضاء

• تنص القوانين التي تؤمّن استقلاليته

• والاعتراف به بالفعل لا بالقول، على أنه السلطة الثالثة

• لأنه لا قانون يُمكن تطبيقه إن بقيت السلطة القضائية عرضة للتدخلات

• دعوة وحَضّ مجلس القضاء الأعلى على معاقبة الفاسدين ولو كانوا قلة، فيبعث بذلك رسالة واضحة أنّ القانون فوق جميع العباد

إن صرخة شعب وطني تستلزم العلاجات الجذرية، وهو مستعد لمزيد من التضحيات على شرط أن تُطلب من الجميع.

لنكن متواضعين ونأخذ العبر من هذه الثورة، فننكبَّ على بناءٍ حقيقي وأسس ثابتةَ للبنان الوطن، فلا نبقى عِرضة لمطامع "العدو، القريب أو الجار"، ولا "مكسَرْ عصا" للقاصِي والداني، وتتحول الطائفية من خائف على بقائه ومتباه بمحيطه، إلى تنوعٍ مثمر وإيجابي تتفاعل من خلاله الأديان السماوية بأسمى ما توصي به.

فنكون جديرين بتضحيات من آخىَ الموت ليخلد الوطن، وكلهاث الأرز الذي لا يُكذِبَ الدهر صِدقَهُ، يصحو من غيبوبته ويسترد راية كان قد أراحها لهولِ الألم، فيَعْتَّزُ حرّاً، دون مُزايدة أو وجل، بانتمائه العربي، ويسير قُدُمًا مستعيداً دوره الحضاري في شرقٍ مُعذب، فنفخرُ مجدداً بوطنٍ قَدَرُه أن يبقىَ أبداً "لبنان الرسالة"!

محام في نقابتي باريس وبيروت

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard