لماذا يشهد العالم حالياً تظاهرات كثيرة؟

27 تشرين الأول 2019 | 17:25

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

"أ ب"

من هونغ كونغ إلى تشيلي مروراً بالهند وروسيا والعراق ولبنان والسودان وفرنسا وإسبانيا وغيرها الكثير، شهدت سنة 2019 انتفاضات وتظاهرات كثيرة على الرغم من الاختلاف في الأحجام والأسباب والأهداف. فهل هي مصادفة أن تنتشر هذه التظاهرات في إطار زمنيّ محدود نسبيّاً؟ أم أنّ ثمّة أرضيّة تمثّل جذراً مشتركاً لهذه المظالم؟

الاقتصاد

يردّ مراقبون كثر هذه الظاهرة إلى مشكلة بنيويّة في الاقتصاد العالميّ. مقدّم برنامج "جي بي أس" على شبكة "سي أن أن" الأميركيّة والكاتب السياسيّ في "ذا واشنطن بوست" فريد زكريا يلقي الضوء على هذا الجانب في مقال نشرته الصحيفة نفسها منذ ثلاثة أيّام. ذكر زكريّا أنّ كلّ التظاهرات تجري على خلفيّة "مقلقة" وهي انهيار النموّ الاقتصادي وقد استند في تحليله إلى صندوق النقد الدوليّ الذي تحدّث عن "تباطؤ متزامن للاقتصاد العالميّ" ووصل إلى نموّ "هو الأبطأ في وتيرته منذ الأزمة الماليّة العالميّة". يشدّد زكريّا على أنّ انهيار النموّ يرفع المخاوف خصوصاً بين أفراد الطبقة الوسطى الغاضبة من غياب المساواة والفساد.

يمكن تلمّس غياب المساواة في دول مثل لبنان وتشيلي والهند وغيرها. حتى سنة 2016، كانت الهند ثاني أكبر دولة تعاني من هذه المشكلة بعد روسيا. وفقاً لموقع "أوكسفام" (شباط 2019) يملك 10% من مواطني الهند 77.4% من إجمالي الثروة الوطنيّ. ويملك 60% من قاعدة الهرم 4.8% من إجمالي هذه الثروة.


غالباً ما تشكل زراعة البصل في الهند عنصر تجاذب سياسي - صورة لاحتجاجات مزارعي البصل في كانون الأول 2018 - "أ ب"

شهدت الهند تظاهرات للمزارعين أواخر أيلول وبدايات تشرين الأوّل بعدما منعت الهند تصدير البصل، مكوّن أساسيّ في الأطباق الهنديّة، بسبب ارتفاع أسعار البصل بحوالي الضعفين بعد فيضانات أضرّت بالمحاصيل. والبصل هو من أكثر أنواع الخضار المثير للحساسيات السياسيّة في الهند وفقاً للبعض.


تظاهرة مزارعين هولنديين في 16 تشرين الأول، الثانية في شهر واحد، للاحتجاج على قوانين لتخفيض انبعاثات النيتروجين وعلى ما يرونه استهدافاً لهم من قبل البيئيين - "أ ب"

في دول أخرى، حيث كانت التظاهرات أكثر انتشاراً وشمولاً، لعب التفاوت الاقتصاديّ دوراً أكبر. في تشيلي ازدادت نسبة التفاوت بين أغنى وأفقر 10% من الشعب بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، على الرغم من أنّ الأخيرة تعدّ من أثرى الدول في أميركا اللاتينيّة. وفي لبنان، تستحوذ نسبة 1% من أثرى اللبنانيّين 25% تقريباً من الناتج المحلّيّ الإجماليّ.


تظاهرات تشيلي - "أ ب"

مراسل صحيفة "ذا غارديان" البريطانيّة مايكل صافي كتب أنّ وقود هذه التظاهرات مألوف: الركود الاقتصادي الذي تشعر به الطبقات الوسطى ومعاناة الديموقراطيّة والإيمان العميق بأنّه يمكن تصحيح الخلل حتى ولو كان البديل غير واضح دائماً. ونقل عن الأستاذة في جامعة "فريجي" في أمستردام جاكليان فان ستيكيلنبورغ التي تدرس التغيّرات الاجتماعيّة قولها إنّ "البيانات تظهر أنّ كمية التظاهرات تتزايد وهي مرتفعة بمقدار ما كانت عليه في الستينات الغاضبة." وأشار صافي إلى أنّ التظاهرات ليست جميعها مدفوعة بالشكاوى من الوضع الاقتصاديّ، لكنّ التباعد الطبقيّ بين من يملكون ومن لا يملكون يدفع الكثير من الشبّان تحديداً إلى مسار تطرّفيّ.

تغيّرات التركيبة السكانيّة

لم يكن صافي وحده من ذكر دور العنصر الشبابيّ في تحريك الاحتجاجات. زميله في الصحيفة نفسها سايمن تيسدال لفت النظر إلى أنّ العالم يضمّ اليوم أكبر عدد من الشبان مقارنة بالمراحل والحقبات السابقة. حوالي 41% من سكان العالم الذي يبلغ عددهم 7.7 مليار نسمة هم بعمر 24 سنة وما دون. في افريقيا 41% من السكّان هم تحت عمر 15 وفي آسيا وأميركا اللاتينيّة حيث يعيش 65% من سكّان العالم تبلغ النسبة 25%. وهؤلاء وفقاً لرأيه بلغوا أو سيبلغون سنّ الرشد في عالم لم يُشفَ من آثار الأزمة الماليّة.

ليست نسبة الشباب المشاركين في التظاهرات خافية على المراقبين. إقفال الطرقات وإشعال الإطارات ومهاجمة قوى الأمن وأعمال التكسير والتخريب التي أفرزتها الحركات الاحتجاجيّة حول العالم بنسب مختلفة توضح دور الشباب في قيادة التحرّكات. ويبدو الغضب الشبابيّ "سريع الاشتعال" اليوم أيّاً يكن سببه.


تظاهرات هونغ كونغ - "أ ب"

على سبيل المثال، شارك الشباب في هونغ كونغ بتكسير الشركات التجاريّة التي ناهضت تحرّكاتهم، علماً أنّ سبب الاضطرابات هناك سياسيّ. والأمر نفسه ينطبق على بوليفيا التي شهدت احتجاجات بسبب ما وصفه المعارضون تزويراً في الانتخابات الرئاسيّة التي جرت الأحد الماضي. كذلك، بات الشباب عنصراً أساسيّاً في الاحتجاجات المطالبة بمكافحة ظاهرة التغيّر المناخيّ، إذ شارك حوالي 5 ملايين شخص في مسيرة المناخ أيلول الماضي.


نتائج

نظريّاً، ليس جديداً أن تكون الفئات الشابّة هي المحرّك الأساسيّ للتظاهرات. لكن عمليّاً، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ التي تمدّ التظاهرات بمدى زمنيّ أطول، يصبح دور الشباب أكثر حيويّة. فاستخدام بعض التطبيقات المشفّرة وإمكانيّة اكتساب مهارات جديدة في عمليّات التنظيم وتنويع شكل الحراك وتفادي الأجهزة الأمنيّة هي جميعها قدرات شبابيّة بامتياز. وفي بعض الأماكن، أطلقت الاحتجاجات نتائج بارزة.


احتجاجات السترات الصفر في فرنسا التي انطلقت في تشرين الثاني الماضي - "أ ف ب"


في أيلول الماضي، خسر حزب الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين "روسيا الموحّدة"، أقلّ من نصف مقاعد برلمان موسكو. إذ بعدما كان الحزب الحاكم يسيطر على 40 من أصل 45 مقعداً، تراجعت حصّته إلى 25. جاء ذلك على الرغم من أنّ موسكو منعت العديد من الوجوه المعارضة المؤيّدة لألكسي نافالني من الترشّح للانتخابات. وقد شهدت العاصمة الروسيّة احتجاجات عدّة في تمّوز وآب الماضيين بسبب منع المستقلّين من خوض الانتخابات.


تظاهرات في موسكو ، آب 2019 - "أ ب"

وفي دول أخرى، طالت بعض القوانين الاجتماعيّة الفئات الشابّة خصوصاً، كما حصل في إندونيسيا بعد إقرار قانون يجرّم العلاقات الجنسيّة خارج إطار الزواج ويحكم بالسجن لفترة ستة أشهر على أيّ رجل وامرأة في حالة مساكنة. وشهدت جاكرتا احتجاجات واسعة الشهر الماضي بسبب القانون المذكور وهي الأكبر منذ سنة 1998. واندلعت أيضاً تظاهرات احتجاجاً على قانون يقيّد لجنة مكافحة الفساد.


تظاهرات جاكارتا - "أ ب"

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ وبالتوازي انتشار معلومات تتيح مراقبة الفساد و/أو القمع الحكوميّين وازدياد الشرخ الاجتماعيّ، يمكن توقّع المزيد من الاحتجاجات في المراحل المقبلة. على هذا الصعيد، كانت 2019 سنة استثنائيّة على صعيد عدد الاحتجاجات التي شهدتها مختلف دول العالم. فهل تتفوّق عليها سنة 2020؟

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard