كيف تُخفق الحكومات في تقدير التعامل مع الغضب الشعبي؟

24 تشرين الأول 2019 | 18:58

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

وردة للجيش اللبناني خلال الثورة (حسام شبارو).

تستمرّ التظاهرات اللبنانيّة في جذب انتباه الإعلام الدوليّ بعد أسبوع على انطلاقها. لكنّ لبنان ليس الدولة الوحيدة التي تشهد احتجاجات مطلبيّة واسعة النطاق حاليّاً. في أميركا اللاتينيّة، لا تزال تشيلي في قلب الحدث مع تظاهرات كبيرة انطلقت أيضاً منذ أكثر من أسبوع. وفي هونغ كونغ، لا تزال التظاهرات مستمرّة بعدما اشتعلت شعرارتها في آذار الماضي وتوسّعت بشكل بارز بدءاً من حزيران. بين هذه الحركات الاحتجاجيّة ثمّة الكثير من النقاط المشتركة التي لا تحجب بدورها نقاط التباين أيضاً. ولعلّ أبرز قاسم مشترك يلفت الأنظار بين الاحتجاجات الثلاثة هو أنّها لم تتراجع بعدما لبّت السلطات المحلّيّة السبب المباشر الذي أدّى إلى اندلاعها. فكيف يمكن فهم ذلك؟

بين لبنان وتشيلي وهونغ كونغ

في لبنان، تداعى المتظاهرون الخميس الماضي، بعدما تحدّثت الحكومة اللبنانيّة عن إمكانيّة فرض ضريبة على خدمة "واتساب" بستة دولارات شهريّاً. وعلى الرغم من أنّ الحكومة ألغت الفكرة المطروحة بعد ساعات ثمّ أقرّت موازنة 2020 من دون أيّ ضرائب إضافيّة بعكس ما كان متداولاً، لم يتراجع الحراك عن مطلبه. على النقيض من ذلك، تحوّل المتظاهرون إلى أشكال أكثر راديكاليّة في التعبير عن رأيهم من بينها التجمّعات الليليّة في عدد من الساحات إضافة إلى قطع الطرقات مع المطالبة بإسقاط الحكومة وتشكيل واحدة أخرى من المستقلّين أو التكنوقراط.

في تشيلي، انطلقت المظاهرات بسبب معيشيّ أيضاً. أدّى رفع الرسوم على استخدام قطارات الأنفاق (المترو) في 14 تشرين الأوّل إلى إشعال حركات احتجاجيّة في العاصمة سانتياغو وعدد من المدن الأخرى. رفعت السلطات الرسوم بمقدار يتراوح بين 0.04 و 0.1 دولار. أطلق تلاميذ المدارس الحركة الاحتجاجيّة قبل أن تشارك بها فئات أخرى من المجتمع. وتصاعد الحراك بشكل كبير في 18 تشرين الأوّل بعدما شوهد الرئيس التشيلي سيباستيان بينييرا وهو يحضر عيد ميلاد حفيدته في أحد المطاعم الفاخرة. بالمقابل، طلب وزير الاقتصاد الأشخاص المنزعجين من رفع الرسوم أن يستيقظوا بشكل أبكر حيث أنّ الأسعار تصبح أرخص كلّما ابتعد المواطنون عن استخدام النقل العام في ساعات الذروة. وعلى الرغم من أنّ السلطات علّقت العمل بزيادة الرسوم، استمرّت التظاهرات.

في هونغ كونغ، يختلف الوضع قليلاً من حيث أنّ السبب المباشر الذي أطلق التحرّكات سياسيّ الطابع. درست الحكومة مشروع قانون لتسليم مطلوبين أكانوا من هونغ كونغ أو حتى من خارجها إلى الصين ممّا أدّى إلى إثارة احتجاجات واسعة على مدى أشهر. تردّدت السلطات بسحب المشروع سريعاً، فجمّدته في 15 حزيران وأعلنت أنّه "ميت" في 9 تمّوز ولم تسحبه السلطة بشكل رسميّ إلّا يوم أمس. لكنّ المتظاهرين لا يزالون في الشوارع مضيفين مطالب جديدة مثل تشكيل لجنة مستقلّة للتحقيق في "الأعمال الوحشيّة" للشرطة والتراجع عن توصيف التظاهرات بأنّها "أعمال شغب" واستقالة الرئيسة التنفيذيّة كاري لام.

الأحوال الأمنية

في لبنان، حاول الجيش فتح الطريق التي أقفلها المعتصمون لكنّه تراجع عن ذلك بعدما أبدى هؤلاء سلميّة في التظاهر إضافة إلى تضامن عاطفيّ واسع معه. في تشيلي وهونغ كونغ، كان الأمر مختلفاً إلى حدّ كبير إذ لم تحافظ التظاهرات على سلميّة التعبير بشكل كامل، فيما لم تمتنع السلطات عن استخدام العنف المفرط. في تشيلي، قُتل 18 شخصاً منذ بدء الاحتجاجات بينما جُرح أكثر من ألفين آخرين. وللمفارقة حدث ذلك بعد أيّام على إعلان الرئيس التشيليّ أنّ بلاده "واحة" للهدوء. لكنّه أعلن السبت حال طوارئ وهي الأولى من نوعها بعد انتهاء حكم بينوشيه سنة 1990. وفي هونغ كونغ جُرح أكثر من ألفي متظاهر فيما اعتُقل عدد مماثل تقريباً. ولوحظ ارتفاع عدد الذين انتحروا في البلاد بسبب الأوضاع الأمنيّة السائدة.

تفاوت اقتصادي

على الرغم من أنّ سببي إطلاق المظاهرات في لبنان وتشيلي معيشيّان، تبرز بعض الفروقات في الأوضاع الاقتصاديّة بين البلدين. تُعدّ تشيلي من أغنى دول أميركا اللاتينيّة وبلغ حجم ناتجها المحلّي حوالي 300 مليار دولار سنة 2018، (42 عالميّاً) فيما بلغ حجم الناتج المحلّي للبنان حوالي 57 مليار دولار (80 عالميّاً). وفقاً لمنظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تحسّن المستوى المعيشيّ للتشيليّين خلال العقود القليلة الماضية ونسبة انخفاض الفقر أفضل ممّا هي عليه في الولايات المتّحدة.

لكنّ التشابه يكمن في أنّ كلا البلدين يشهد تفاوتاً طبقيّاً واضحاً جدّاً. هنالك فجوة بين أغنى وأفقر 10% من المواطنين التشيليّين، كما أنّ ثلث العمّال هناك يعملون في وظائف غير ثابتة. ويشكّل التفاوت الطبقيّ علامة فارقة في لبنان أيضاً. يكسب 1% من أثرى اللبنانيّين حوالي ربع الناتج المحلّيّ الإجماليّ.

ذكرت ليديا أسود في مركز "كارنيغي" أنّ "نسبة 0.1 في المئة الأكثر ثراء من اللبنانيين، أي نحو 3000 شخص بينهم عدد كبير من أفراد الطبقة السياسيّة، تستحوذ على 10 في المئة من مجموع الدخل الوطني، وهذا يساوي مجموع الدخل الذي تحقّقه نسبة 50 في المئة من السكّان الذين هم في أسفل هرم المداخيل. وغالب الظنّ أن هذه الهوة هي من المحرّكات الأساسية خلف مظاهر الوحدة التي تجلّت بين المحتجين في الشوارع منذ يوم الخميس الفائت." من جهتها، أشارت صحيفة "نيويورك تايمس" إلى أنّ تشيلي أيضاً تتعلّم من خلال هذه المظاهرات "ثمن غياب المساواة الاقتصاديّة".


لا مفاجأة

إذا كان استمرار غضب اللبنانيّين والتشيليّين ينطلق بشكل كبير من الشعور بالغبن الاقتصاديّ والتفاوت الكبير في الثروات، فما السبب الذي يدفع سكّان هونغ بمواصلة الاعتصامات علماً أنّ غضبهم سياسيّ في الشكل والمضمون؟

اللافت في جميع هذه التظاهرات أنّها جاءت كردّ أضخم بكثير من الفعل الذي تسبّب به في المقام الأوّل. لم يؤدّ سحب فتيل التوتّر الأساسيّ من التداول، بغضّ النظر عن سرعة استجابة الحكومات لهذا المطلب، إلى تهدئة الشعب. بطبيعة الحال، لا يشكّل التخلّص من السبب المباشر، تخلّصاً استطراديّاً من الأسباب غير المباشرة التي تغذّي التظاهرات. لهذا، ليس لاستمرار الغضب الشعبيّ وتصاعده أن يشكّل مفاجأة.

في حديث إلى شبكة "سي أن أن" الأميركيّة شرح أستاذ تاريخ وسياسات الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية جون شالكرافت هذا المسار. فلكي تتحوّل شرارة إلى ما هو أكبر من ذلك، تحتاج إلى أن تنمو على نقص ثقة واسع بالنخبة السياسية وشعور بأزمة في السلطة ومشاعر أسى متنوّعة جدّاً. بالنسبة إليه، هذه هي الحال في كلٍّ من تشيلي ولبنان وهونغ كونغ.

أزات تشتيان والمونة: "الحياة صعبة هون بس ع القليلة نحنا بأرضنا"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard