المشاركة في صور والنبطية... وطي صفحة الانقسامات

21 تشرين الأول 2019 | 19:41

المصدر: "النهار"

 يمكن سوق ملاحظات عدة على التظاهرات في لبنان.

الأولى، أن الجيل الجديد يطوي صفحة انقسامات سابقة تلت العام 2005. اصطفافات 8 و14 آذار لا تعني له شيئاً اليوم وهي في أي حال لم تعد تعني الكثير في المشهد اللبناني عام. والمفارقة هنا هي أن حلفاء إيران والسعودية وملحقاتهما صاروا في نفس الموقع المستهدف بالتظاهر.  

الثانية، أن لامركزية التظاهر الجغرافية تجعل منه متحرّراً من الماكينات التي تحشد عادة وتؤمن النقل نحو التظاهرات المركزية في العاصمة. وهذا يجعل الناس أكثر استقلالية وقدرة على التعبير عن غضبهم في مدن وبلدات إقامتهم ويحفّزهم على المشاركة.

الثالثة، أن الفرز على أساس الموقف من سياسات حُكم اقتصادية واجتماعية تثبت فشلها يخترق مؤقتاً كل فرز طائفي. واستفزاز الناس من خلال ترامي المسؤوليات وادعاء كل طرف حاكم (عون/باسيل والحريري وحزب الله/بري بخاصة) عدم مسؤوليته عن الهدر والفساد وأزمات النفايات والكهرباء والخدمات والتردي المالي، جعل الخروج الى الشارع تعبيراً عن غضب عارم يتراكم، ويتشارك فيه ذوو الدخل المحدود وذوو التطلعات الإصلاحية السياسية على حدّ سواء.

 الرابعة، أن المشاركة في صور والنبطية تُخرج الى العلن لأول مرة بهذا الحجم ما كان يُقال في المجالس الخاصة عن فساد المسؤولين الشيعة واستفادتهم على ظهر جمهورهم. وعدم استثناء حزب الله يظهر انحسار قدرة الابتزاز الذي يُمارس باسم المقاومة واستهدافها على إبقاء الناس صابرين وصامتين، خاصة أن الموضوع اليوم هو موضوع حقوق إقتصادية واجتماعية وإصلاح سياسي، ولا محاور إقليمية أو مسائل طائفية يمكن الركون إليها للتعبئة واستثارة العصبيات.

الخامسة، أن تأثير الثورات العربية وأهازيجها وحركات أجساد المنخرطين فيها على المتظاهرين في بيروت والمناطق واضح، مع استثنائية مشاركة نسائية كثيفة في الحالة اللبنانية، ومع عدم خشية من الظهور وشتم المسؤولين أو هجائهم – لا بل التفاخر في ذلك ونقله على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويمكن أن نضيف الى ذلك أن التهديد بالفراغ والفوضى لا يجدي في ظل ما يشبه الفراغ والفوضى القائمَين أصلاً والفشل الذريع للعهد بأكمله – وليس للحكومة فقط – في إدارة البلد، وهذا يعني أن استمرار التظاهر أمر محسوم الى أن يحصل تطوّر جدي يتخطى الوعود والتصريحات، كمثل استقالة الحكومة. على أن المعضلة اللبنانية اليوم قائمة في كون السلطة غير قادرة على الإصلاح وغير مؤهلة للقيام به، والناس غير قابلين بالعودة الى بيوتهم وكأن شيئاً لم يكن. وهذا في ذاته حافز للاستمرار في التحرّكات، بمعزل عن كل اعتبار آخر.

 +زياد ماجد أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأميركية في باريس

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard