لماذا قد يصبح أسهل على بوتين ضبط التوغل التركيّ شرق سوريا؟

14 تشرين الأول 2019 | 20:06

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان في معرض السلاح الروسي الدولي - آب 2019 - "أ ب"

بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنّ أقلّ دولتين سروراً من خطوته بسحب القوّات الأميركية من سوريا هما روسيا والصين، وفقاً لما أعلنه في تغريدة الاثنين الماضي. علّل ترامب تحليله بأنّ هاتين الدولتين تحبّان رؤية الولايات المتّحدة غارقة في "الحروب التي لا تنتهي". لكنّ معظم المراقبين الأميركيّين بمن فيهم مسؤولون جمهوريّون يؤكّدون أنّ ما كانت تقوم به واشنطن في سوريا لا يقارن بمستوى الحربين اللتين تخوضهما في العراق وأفغانستان. فالمقاتلون الأكراد تحمّلوا العبء الأكبر من القتال الميدانيّ بدلاً من الجيش الأميركيّ فيما تكبّد الأخير خسائر بشريّة محدودة جداً لا تتخطى عشرة عناصر. 

وبعدد محدود يقارب ألفي جنديّ، استطاعت الولايات المتّحدة سابقاً تدارك صدام عسكريّ بين تركيا وقوات سوريا الديموقراطيّة (قسد) وتقييد النفوذ الإيرانيّ ومنع الرئيس السوريّ بشار الأسد من استرجاع ثلث مساحة سوريا بما فيها الثروات الطبيعيّة. لكن مع قرار ترامب بالانسحاب، ستتغيّر جميع هذه المعادلات ومن ضمنها تأمين عدم عودة ظهور داعش مجدّداً. أمّا حزن روسيا من الخطوة الأميركيّة فقد يكون آخر ما يمكن أن يشعر به المسؤولون في الكرملين وفقاً للمحلّلين.

حسابات متجدّدة

توصّل المقاتلون الأكراد عبر وساطة روسيّة إلى اتّفاق مبدئيّ مع دمشق يقضي في الوقت الراهن بانتشار القوّات السوريّة على طول الحدود مع تركيا. وقال المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إنّ موسكو حذّرت كلّ أطراف الصراع السوريّ من تصعيد الوضع والإضرار بالعمليّة السياسيّة الهشّة. وأضاف أنّ الكرملين لا يريد التفكير في احتمال وقوع اشتباك بين القوّات الروسيّة والتركيّة في سوريا مشيراً إلى أنّ روسيا على تواصل منتظم مع تركيا.

حتى الأربعاء الماضي، كان هنالك تشكيك روسيّ بإمكانيّة انسحاب أميركيّ على قاعدة أنّ ترامب أعلن ذلك في الماضي ثمّ تراجع عنه. وفي الأيّام الأولى للتوغّل، حذّرت موسكو أنقرة من إمكانيّة زعزعة استقرار سوريا ومن احتمال فرار سجناء داعش خلال الهجوم التركيّ. لكنّها بالمقابل أعطت ضوءاً أخضر ضمنيّاً لتركيا في الاستمرار بالعمليّة العسكريّة عبر منعها صدور بيان في مجلس الأمن الدوليّ يوم الجمعة يدعو أنقرة إلى وقف هجومها. اليوم، يمكن أن تكون الحسابات الروسيّة إزاء العمليّة التركيّة  في طور التجدّد بعدما تيقّنت موسكو من أنّ الولايات المتّحدة سحبت ألف جنديّ من شمال سوريا، وهذا يعني غياباً للقوة الوحيدة المكافئة لروسيا في تلك البلاد.


"تفادي حمام دم أوسع"

يذكّر مراسل شبكة "سي أن أن" في لندن فريديريك بلايتغن بأنّ المقاتلين الأكراد الذين حاربوا إلى جانب الولايات المتّحدة ضدّ داعش حاربوا أيضاً إلى جانب روسيا والحكومة السوريّة خلال معركة حلب. وحافظت روسيا ودمشق على التواصل مع الأكراد على أمل خضوعهم للحكم السوري كما احتفظ الجيش السوري بوجود في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد. لذلك، يتابع المراسل، يمكن أن يساهم بوتين في تفادي "حمام دم أوسع" في شمال سوريا. بالاستناد إلى التطوّرات الأخيرة، "يمكن أن تكون لحظة موسكو قد حانت"، وفقاً لبلايتغن. بالتالي، من غير المستبعد أن تتمتّع روسيا بموقف أكثر حزماً من التوغّل التركيّ. لكنّ ذلك يفرض مزيداً من التأنّي على الروس من أجل مراعاة التوازن في العلاقات بين ثلاثي "أستانا".

بحسب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "مجموعة سياسة موسكو" الاستشاريّة يوري بارمين، لن يكون الإيرانيّون مهتمّين بالعمل مع الأتراك ضمن إطار "أستانا"، وهذا واحد من الخطوط الحمر بالنسبة إلى الروس. وأضاف في حديث إلى "الإذاعة الوطنيّة العامّة" ومقرّها مينيابوليس، أنّ الإيرانيّين والسوريّين لا يريدون أن تتحوّل العمليّات العسكريّة التركيّة إلى "منطقة عازلة" فيما تحاول روسيا "أن تكون أكثر ليونة في هذا الموضوع". ومع ذلك، حتى موسكو ترى العمليّات التركيّة جزءاً من إطار اتّفاقية أضنة التي تسمح لأنقرة بشنّ هجمات محدودة في سوريا وهذا ما يتوقّعه الروس.


"تصبّ جميعها في مصلحة موسكو"

إنّ "منطقة آمنة" تحت سيطرة القوّات التركيّة تمثّل أيضاً "تهديداً" لوحدة الأراضي السوريّة التي تمّ الاتّفاق عليها في اجتماعات ثلاثيّ "أستانا". ومع رفع الغطاء الأميركيّ عن "قسد" ورحيل واشنطن عن المنطقة، قد يفقد الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان ورقة ضغط مهمّة للتوسّع في عمليّته العسكريّة. يضاف إلى ذلك القلق الروسيّ من أن يفاقم التوغّل التركيّ مخاطر فرار مقاتلي داعش وعائلاتهم، تحديداً بعد هروب حوالي 800 من أسرى عائلات التنظيم أمس من مخيّم عين عيسى.

في حديث إلى وكالة "أسوشييتد برس" يقول الباحث في "المجلس الروسيّ للعلاقات الدوليّة" كيريل سيمينوف إنّ "روسيا تريد الاستفادة من تلك العمليّة، ويمكن أن يكون تعزيز العلاقات مع تركيا واحداً من المكاسب". وأضاف: "الردّ القاسي من واشنطن، ردّ الفعل الأوروبّيّ، التهديد بالعقوبات ضدّ تركيا تصبّ جميعها لمصلحة موسكو عبر جعل موسكو وأنقرة أقرب حتى".

"لا يستطيع أن يصدّق حظه"

إذا فرض الأوروبيون والأميركيّون لاحقاً عقوبات اقتصاديّة على تركيا، ستجد الأخيرة في تعزيز علاقتها مع روسيا فرصة للتخفيف من وقعها على اقتصادها المنكمش. سبب آخر يجعل الروس في موقع أفضل لضبط الهجوم التركيّ على شمال شرق سوريا. قد يضطرّ هؤلاء إلى الانخراط في عمليّة ديبلوماسيّة غير سهلة لإقناع الأتراك بإيقاف الهجوم، لكنّ الاحتمالات تصبّ في صالح الكرملين حاليّاً. يقول مسؤول عسكريّ غربيّ من التحالف المناهض لداعش وقد خدم في سوريا مؤخّراً:

"على الأرجح، لا يستطيع بوتين أن يصدّق حظّه." وتابع في حديث إلى موقع "بيزنس إنسايدر" مشترطاً عدم الكشف عن نفسه: "إنّ ثلث سوريا كان حرّاً من داعش إلى حدّ ما وأمنُه كان جيّداً من دون أيّ تورّط للنظام أو لروسيا، والآن بسبب الاجتياح التركيّ والانسحاب الأميركيّ، أصبحت هذه المساحة مشرّعة بشكل واسع للعودة إلى سيطرة الحكومة."

الحراك إلى أين؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard