مَنْ هو الحمار؟

14 تشرين الأول 2019 | 13:34

تظاهرات العراق (أ ف ب).

صدام حسين

في صيف العام 1979 انطقلت في مدينة الثورة- مدينة الصدر حاليًّا، تظاهرةٌ سرعان ما اصطدمت بأفراد من "الجيش الشعبي" كانوا يحملون البنادق من دون ذخيرة حيّة، وذلك لأغراض التدريب كما هو في تلك الأيام، فجرت مواجهةٌ بينهم وبين المتظاهرين قُتل فيها عنصرٌ من "الجيش الشعبي"، يقال إن امرأةً قتلته ببلطة، ثم جرى اعتقال بعض المتظاهرين وفرار الآخرين بعد وصول تعزيزات أمنية مسلحة.

حينها، أُشيع أن صدام حسين اجتمع بقيادات "الجيش الشعبي" وقال لهم: "إذا خرجوا عليكم مجرّدين من السلاح فواجهوهم بالحراب، وإذا خرجوا بالعصي أو الأسلحة الحادة فواجهوهم بالرصاص". كان القصد طبعًا من تسريب هذا الكلام وجعلهِ شائعةً على ألسنة الناس هو إرهاب كل من "يهدد الأمن القومي" كما كانوا يصفون. لكننا جميعًا نعرف بقية القصة.

فالح الفيّاض

في "انتفاضة أكتوبر" التي لم تبرد دماء أحرارها بعد، لم يكتفِ رئيس لجنة الأمن الوطني وهيئة "الحشد الشعبي" فالح الفياض بما استخدمته السلطة الحاكمة طوال أسبوع من عنف مفرط في مواجهة المتظاهرين العزّل الذين جاء تحركهم تتويجًا لاحتجاجات متكررة منذ سنوات، فعقد مؤتمراً صحافيًا بعد عودته من واشنطن قال فيه إنه يعلم مَن يقف وراء بعض المتسللين إلى هذه التظاهرات، وإن لديه معلومات ومعطيات وأسماء سيعرضها في الوقت المناسب، مع أنه أكد جهله بالقيادة الميدانية للتظاهرات واعترف بمطالبها المحقة حيث سبقه إلى مثل هذا الاعتراف مسؤولون نافذون، مضطرين. لم يقل الفياض ما إذا كان بين المعطيات والمعلومات التي يملكها معرفة القناصين الذين أوغلوا في قتل المتظاهرين ومن هي الجهات التي تقف وراءهم وما سبب عجز القوى الأمنية عن الإمساك ولو بواحدٍ منهم، فضلاً عن معرفة الجهات التي هاجمت مكاتب وسائل الإعلام ودمرت محتوياتها، لكنه حرص على القول: "سيكون هناك قصاص عادل ورادع لمن أرادوا بهذا البلد شرا ولا يمكن التساهل مع المتآمرين"، ووفقًا لوسائل إعلامية عديدة أكد جهوزية "الحشد الشعبي" للتدخل إذا طلبت منه الحكومة، ومضى مهدداً مَن وصفهم بالعملاء بـ"ردٍّ مدوٍّ"، فشاع التهديد ووصل إلى أسماع كل الناس.

هالدين

بعدما استخدم البريطانيون القوة المفرطة في إخماد ثورة العشرين باستخدامهم الطائرات وحرق القرى وتهديم البيوت، قرر الجنرال هالدين قائد القوات البريطانية في العراق آنذاك، القيام بجولةٍ في مناطق الثورة، ولا سيما في الفرات الأوسط وديالى، ليجتمع بالشيوخ الذين شاركوا في الثورة، فكان في أحاديثه مجاملاً إلى أبعد الحدود مطنبًا في مدح وطنيتهم معترفًا بأن قصدهم كان نبيلاً لأنهم كانوا يطالبون بحقوق بلادهم المشروعة، وأثنى على شجاعتهم إلى درجة أنه قال لأحدهم بأنه كان شجاعًا يقود أفراد عشيرته ويقاتل في صفوفهم، بينما هو، أي هالدين، كان يعطي الأوامر بعيداً عن خط القتال، ويقال أيضًا إنه قدم القهوة بنفسه لأحدهم ممن اشتهروا بقيادة الثورة وأشعل له السيكارة. في ذلك كله، كان يرافق هالدين ضابط برتبة كابتن اسمه لويد يقوم بمهمة الترجمة إلى العربية.

في بعقوبة، جمع متصرف لواء ديالى شيوخ العشائر لهذا الغرض، وعندما اجتمع بهم هالدين أثنى عليهم باعتبارهم كانوا يطالبون باستقلال بلادهم، ثم صار يعتذر شخصيًّا عن محاربته لهم لأنه فعل ذلك طاعةً لأوامر حكومته، فهو مأمور ليس له إلّا الطاعة، فإذا كان الشيوخ حاربوا بشرف في سبيل بلادهم فهو قد حارب بشرف أيضًا، لكن هالدين انتهى إلى القول موجهًا كلامه إليهم: "إذا عدتم إلى الثورة من جديد فسأعود إلى محاربتكم وأكسّر رؤوسكم".

تعجب الكابتن لويد من هذه العبارة الأخيرة، لكنه بعدما ترجمها للحاضرين قال لهم: "هذا القائد حمار"، فضحك الحاضرون. استغرب الجنرال هالدين الضحك وقال للكابتن لويد بأنه لم يقل شيئًا مضحكًا فلِمَ ذلك؟ فردّ عليه لويد بأنه وجد من المصلحة في هذه الظروف أن يصفه بالحمار. عندها قال الجنرال هالدين: "إذا كانت مصلحة الأمبراطورية البريطانية تقتضي أن تصفني بهذه الصفة، فلا بأس".

***

فهل عرفتم مَن هو الحمار؟

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard