عن التسامح

11 تشرين الأول 2019 | 21:57

المصدر: "النهار"

لا يولد أحد يكره شخصًا آخر بسبب لون بشرته أو خلفيّته أو دينه. الناس تتعلّم الكراهية. (تعبيرية)

بداية هناك اقتباس[1] يجدر إلقاء الضوء عليه للفيلسوف كانط قبل التطرق الى ماهية التسامح والذي هو موضوع هذا المقال:

 "يجب أن تتصرف دائمًا بحيث تعتبر الإنسانية في شخصك وكذلك في البعض الآخر هدفًا في حدّ ذاته، وليس مجرد وسيلة لشيء ما[2]." بمعنى آخر: لا تستغلّ الناس لغايات مشبوهة وإنما عاملهم كما تعامل نفسك!

 ربما صياغة كانط لمبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية هو المدخل السليم لمناقشة موضوع التسامح. ما هي أصلا علاقة التسامح بالكرامة الإنسانية؟ الأديب والمفكر العربي أدونيس يشير الى ان مفهوم التسامح فيه نوع من الفوقية لصالح المتسامِح على حساب المتسامَح معه. طبعا نحن لا نتكلم عن التسامح بالمعنى اللاهوتي الذي يتعدّى هذا النقاش.

يقترح أدونيس استبدال كلمة تسامح بالاحترام المتبادل حيث ان المتسامِح والمتسامَح معه يتساويان في الكرامة! المفكر اللبناني وعضو الأكاديمية الفرنسية أمين معلوف يلفت الانتباه الى ان الثقافات أيضا لها كرامة وُجب احترامها:

وفقط إذا كان المرء يؤمن بالكرامة المتساوية للثقافات، فإنه يحق له تقييمها، وحتى الحكم عليها؛ اِعتمادا، على وجه التحديد، على القيم المرتبطة بهذا المصير المشترك، والتي هي فوق كل حضاراتنا، كل تقاليدنا، جميع معتقداتنا. لأنه ليس هناك ما هو أكثر قدسية من احترام الإنسان، والحفاظ على قدرته على التفكير والتعبير عن نفسه؛ وكذلك الحفاظ على الكوكب الذي يحمله[3].

إذن احترام الثقافات مقرون باحترام الإنسان، أي الآخر، حسب معلوف. لكن ماذا لو كان هذا الإنسان يختلف عني بدينه وتقاليده وملبسه ومعشره ونظرته الى العالم عامة؟ هل ممكن أن يسود نوع من التآلف والاحترام المتبادل بالرغم من الاختلاف العميق بيننا؟ ليس من السهل طبعا الإجابة على هكذا أسئلة، خاصة إذا كنا نعيش في بيئة يسودها شرخ عميق في القيم، حتى لا نقول عامودي، وأقصد هنا المجتمع اللبناني المتعدد الطوائف والولاءات الحزبية والزبائنية والإقطاعية الخ.   

انه لأمر مدهش أنه في أوقات احتدام الطائفية والأصولية والعنصرية نفتقر الى مناقشة جادة وعميقة حول ماهية الآخر بالنسبة لي كمواطن. إذا كنا نظن ان الحوار الصادق والجريء مكلف ومؤلم وملفوف بالمخاطر فكيف بالحري التخفي وراء الصوابية السياسية والتنكر والازدواجية اللائي أوصلتنا إلى طريق مسدود ونحن على عتبة الذكرى المأوية لإعلان لبنان الكبير.

لا شك ان للدين دورا محوريّا في تحديد هوية الشعوب في هذا المشرق. ففي لبنان مثلا من الصعب التعريف بالمواطنة خارج دائرة الدين لا بل أن هناك رابط عضوي بين الممارسة السياسية والانتماء الطائفي - ناهيك عن قضايا الأحوال الشخصية والتوظيف الإداري. فمقاربة المواطن للواقع في لبنان هي مقاربة مركّبة ومفخخة لأنها تذكّره بحتمية وطغيان العامل الديني في نظرته الى نفسه والى الآخر. عندما يجتمع مواطنان في لبنان هناك فضول شبه تلقائي حول دين الآخر وهذا في حد ذاته لا ضرر منه الا أن الواقع المرير التي آلت اليه الأمور في البلد تشير الى إشكاليات العامل الديني، فالعلاقة به غير سليمة في العديد من الحالات ومنها جَني الأرباح المادية والامتيازات والحذر الشديد وصولا الى الكراهية.

. لكن السؤال يبقى كيف التعامل مع الآخر باحترام في زمن اختلط فيه الدين بالسياسة مما جعله يبتعد عن وظيفته الأساسية الا وهي مؤاساة المرء في قلقه الوجودي وإغناء التجربة الروحية للديمقراطية، أي التصدّي لكلّ ما ينكر حرية الإنسان ويصفها بأنها مقيّدة بالمصير والخطيئة الأصلية والانتماء العرقي (أو الجيني) والبيئة الاجتماعية والحتمية العلمية والدوغما، سياسية كانت أم دينية. 

 أما على الصعيد العملي فمن المهم أن نتدرّب على ترويض خلافاتنا فهي موجودة في العلن ولن تختفي بعصا ساحر ولكن لترويضها علينا أولا بتفكيك مفهوم الدين في بُعده القانوني (أو الشرعي) والسلطوي والهويّاتي. ويُقصد بالبُعد القانوني جعل النصوص المقدسة المصدر الرئيسي لسنّ قوانين وضعية ممّا يشكل عاهة وجودية، للأقليات بالأخصّ، في مجتمعات ذات الأكثرية المسلمة، ثم البُعد السلطوي حيث يُستخدم الدين لتحصيل مآرب سياسية وهذا مألوف في لبنان، فلممثلي الطوائف مثلا حضور وازن في الحياة السياسية ينافس أحيانا رجال السلطة، وأخير البُعد الهويّاتي الذي يقترن في كثير من الأحيان مع خطاب الكراهية؛ وما الحروب الأهلية التي خاضتها دول الجوار ومن ضمنها لبنان الا مثالا فاضحا على ذلك.

الشرط الثاني لتنظيم الخلاف هو أن نستمع الى الآخر بتأنٍّ وصدق. الفيلسوف التنويري مونتان يقول: "الكلمة، نصفها الأول مكوّن من القدرة على التكلّم والنصف الثاني على الاستماع[4]". لا شك أن الاستماع عملية مرهقة خاصة إذا عطفناها على المرونة حسب القول المأثور "ليس هناك آخرٌ أفضل من إصدار مختلف عن نفسك[5]". احتمال الخطأ إذا هو حدس مهم في أي نقاش أو جدل لأن ليس من إنسان يجمع كل الفضائل في شخصه. فإذا كانت آراء المحاور أو مواقفه مبنيةّ على أسس سليمة، اغتنم هذه الفرصة لتطوير آراءك، فإذا سنحت الفرصة لتعلّم شيء جديد اقتنصها! على سؤال حول ماذا ينتظر من "ليل الثقافة" الذي يرعاه المعهد الفرنسي في لبنان، أجاب الأديب الفرنسي أوليفييه سيبان: "آمل بحصول تبادل، أي أن أفكّر ضد نفسي في الحوار، وإثراء نفسي من خلال الاستماع، إثراء نفسي بكلمات الآخر، الوحيد القادر على أن أصون لساني وأن يكون هناك تناسق فيما أقوله[6]". 

الانفتاح على الآخر يحتاج إذا الى باعٍ طويل ومقاربة منظور الدين بموضوعية ونقد بنّاء نظرا لقابلية هذا الأخير على شحن النفوس وبثّ النعرات. فالدين أكبر محرّك لوجدان الشعوب وهذا الأمر معروف جيدا (للأسف) من قِبل زعماء الطوائف والسياسة. هذا لا يعني طبعا أن الجميع يسيء الى الدين أو أن الدين بحدّ ذاته أمر سلبي. فهذا غير صحيح. الدين يلقي الضوء على صعوبات الإنسان الوجودية ويحاول إيجاد أجوبة لها عمليّا وفلسفيا. أما بالنسبة الى "الاكليروس" ومحترفي السياسة الشعبويين فإن للمفكر المغربي قاسم الغزالي موقف حاسم في هذا الأمر: "إنها قمّة الانحطاط أن نهدي صلتنا برجال الدين ليصنعوا منا أسلحة تدمّرنا[7]"

يتخلّل المفهوم الشعبي للدين لغط كبير وسوء فهم متجذّر. فاللبنانيون في تنوعهم لا يقبلون غضّ النظر عن الانتماء الديني، بالعكس يعتبرونه أساسا للمفاضلة بين المواطنين وهذا شرخ في المواطنة والتي هي بالأساس فكرة حديثة على الإسلام والديانات الأخرى في المنطقة. الإسلام مثلا ينظر الى الانسان باعتباره مسلمًا بالفطرة بينما في المواطنة حق الانسان في اختيار دينه من عدمه مُصان في تشريعات الدولة المدنية، لا يحق للدولة أن تمنعه في ذلك أو أن تفرض عليه قانون أحوال شخصية يناقض مبدأ حرية المعتقد المُعترَف به أصلا في دستور الجمهورية اللبنانية. دولة المواطنة هي التي ترعى حقوق مواطنيها باعتبارهم متساويين أمام القانون بغض النظر عن عرقهم ودينهم. إذا لم نصل الى هذا المصاف فسيبقى ما يسمّى بالاحترام المتبادل بين أبناء الدولة الواحدة متعثّرا.

 إن إحدى الأفكار المهمة – إن لم يكن أهمها - في الحوار العابر للثقافات هو الاعتراف بأن الدين ظاهرة اجتماعية متعدد الأوجه[8]

أ‌-  نصوص عقائد وتعاليم

ب‌- أساطير وقصص

ت‌- طقوس

ث‌- أخلاق وقانون (أو شرع)

ج‌- مشاعر وتجارب

ح‌- مؤسسات (تعليمية وخيرية)

خ‌- رموز

د‌- خفض القلق الوجودي

ذ‌- أداة سلطة

ر‌- مؤشر هوياتي

إصلاح الدين أمر يشوبه الغموض، فالنصوص المقدسة مثلا لا يجوز المساس بها، ناهيك عن "الاكليروس" الذي يسمّي نفسه الوكيل الحصري للتفسير. لهذا هناك حاجة إلى نوع من عقد اجتماعي يحدّد دور الدين في الحياة العامة انطلاقا من الأوجه المذكورة أعلاه ويحرّره من السلطة السياسية "وكهنوتها"، وينقل النقاش من دائرة الإصلاح بالاستبداد إلى الإصلاح بالمزيد من الحريات والنقاشات المفتوحة التي لا تعرف خطوطاً حمراء.

الاحترام المتبادل ينبع من الايمان بإمكانية إصلاح عقول البشر وعلاقتها بالدين. فالإشكال ليس في الدين نفسه وإنما بمن يعتنقه وبالثقافة المجاورة له. من دون بيئة حاضنة من الصعب استحضار قالب تاريخي وقالب معرفي وقراءة تجديدية للنصوص الدينية وهذا بدوره يتطلب إصلاح جدّي في المناهج التربوية والتعليم العالي. فالإيمان بالعقل (ومن ضمنه عقل المؤمن) هو إيمان بالإنسانية. الإنسان فوق الأيديولوجية تحت ايّ مسمّى كانت. بمعنى آخر: لا يمكن اختزال الانسان بمعتقد أو نظرية شمولية.  

كون الإنسان فوق الأيديولوجية يعني أيضا أن الإنسان الغير المؤمن لا يفقد إنسانيته بحجة أنه يفتقر الى دين، لأن العمل الصالح لا يحتاج الى جينات دينية، في حين ان الإسلاميين، على سبيل المثال لا الحصر، يربطان المسلم والإسلام بكيان واحد. لنلسون مانديلا، الرئيس الراحل لدولة جنوب افريقيا، تعليق مؤثر في هذا الأمر: " لا يولد أحد يكره شخصًا آخر بسبب لون بشرته أو خلفيّته أو دينه. الناس تتعلّم الكراهية، وإذا استطاعوا أن يتعلموا الكراهية، فيمكنهم أن يتعلّموا ان يحبّوا، لأن الحبّ ينفذ بشكل طبيعي إلى قلب الإنسان أكثر من نقيضه[9]".

من أهم سمات الدين أنه أساس القيم، يخلق الاهداف ويعطي معنى للوجود لكنه عند غالبية المتدينين ليس هو الدين المُستقى مباشرة من النصوص المقدسة بل ممّا يحبه المتديّن وما يراه جميلا. لهذا يجب ان لا نخلط بين انسانيتنا التي اكتسبناها من تجارب الحياة وبين دين لم نختاره.

 في الوقت الحاضر نرى عند البعض هوية لبنانية تتشكّل أو يُعاد اختراعها أمام أعيننا على وقع التعبئة الطائفية والتحريض ضدّ السوريين والفلسطينيين وهي نافية للقيم الكونية الخاصة بحقوق الإنسان واحترام التنوّع. ورغم ذلك يستمر بعض دعاة التفوّق اللبناني بالمفاخرة بهذه القيم لإظهار فرادة لبنان أو رسالته أو معناه. لنستمع ماذا تقول المؤلفة الشابة مريم ماجدي في الهوية:

غالبا ما يتمّ اقتلاعُنا [من حيث أتينا] ومن ثم نتجذّر. ما يهمني في الشجرة هو الفروع، هي هذه الحرية في النموّ واتخاذ المسارات الغير المتوقعَة. إن إصدار كتاب لن يحلّ مشكلة الهوية، فهذه الأخيرة بعيدة المنال ولا يمكن تعريفها. إنها [الهوية] بالنسبة لي متعددة. أنا هذه الفسيفساء لأشياء كثيرة: لإيران وفرنسا، للمدينة والقرية. أعتقد أنه يجب الحصول على أوسع رؤية ممكنة للهوية وأن ندعها أن تكون حرّة ومتعدّدة.[10]  

 الحضارات التي بُنيَت في ظلّ الديانة التوحيدية بطبعاتها الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام أنتجت بإرثها  ومنزعها ومنطقها عُتاة الطغيان ولكن أيضا أشخاصا يتقوا الله ويُحسِنون في الغالب، وهم ليسوا أنانيين لا في طريقة تفكيرهم ولا في طبعهم أو تصرّفهم. فالوحي المكتوب في القلوب أهم من الوحي المكتوب المُحرّف!

.


*الكاتب حاصل على شهادة دكتورة في الدراسات العربية والشرق الأوسطية من جامعة ستوكهولم. له دراسات في مجال الإعلام، والأدب والدين وتحليل الخطاب

المصادر:

[1][1] إن الاقتباسات الواردة في هذا النص هي من ترجمة كاتب المقال

[2] Jonson, Erik (1924). Det kategoriska imperativet: värdeteoretiska studier i Kants etik. Diss. Uppsala Universitet

[3] Maalouf, Amin (2009). Le dérèglement du monde: quand nos civilisations s'épuisent : [essai]. Paris: Bernard Grasset

[4][4] Montaigne, Michel de (1946). Œuvres complètes de Montaigne, Essais : livre troisiesme : chapitres I à VIII. Paris: Société les belles lettres

[5] Perel, Esther (2017). The state of affairs: rethinking infidelity. London: Yellow Kite

[7] الغزالي، قاسم (2013). الدار البيضاء – جنيف: رقم الرحلة 8ج 540. شحن للنشر والعلوم

[8] Smart, Ninian (1991). The religious experience. 4. ed. New York: Macmillan. The list has been extended by three categories at the end by the author of the present essay

[9] Mandela, Nelson (1994). Long walk to freedom: the autobiography of Nelson Mandela. Randburg: Macdonald Purnell

[10] Madjidi, Maryam (2012). Marx et la poupée. Le Nouvel Attila

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard