هكذا تبدأ الحكايات

10 تشرين الأول 2019 | 12:02

المصدر: النهار

أراقب من بُعد كافٍ لأرى الصورة كاملة

أراقب من بُعد كافٍ لأرى الصورة كاملة، تقترب شيئًا فشيئًا، تداعب أوتاراً لأفكار توقفت عن العزف لزمن. أراها تحوم حوله كنحلة برية في حالة توق دائم للرحيق، بينما يقف متظاهرًا بالسكون، وبداخله نار تتأجج، يسكب عليها كثير من الكلمات والحقائق القاسية الباردة كشذرات الجليد، لكنها لا تفلح في إخماد جمر لا ينطفأ مهما بدا عليه من هدوء وخمول. وكيف يهدأ وصوت ضحكاتها يعلو ما بين الفينة والأخرى، وتضع كل الدلال في حروف اسمه وهي تناديه، كأنما تشعر بلحظات سكونه، محاولًا كبح نفسه، فتباغته بضراوة، وتغتاله بلا رحمة.

امرأة نافرة الأنوثة، يمكنك القول متوحشة رغم ما يبدو عليها من ثبات، تذكرك ببطلات روايات نجيب محفوظ المتمردات الثائرات على وأد جمالهن خلف البرقع والمشربية، ترى فيها حميدة زقاق المدق، ونور اللص والكلاب، بشعر أسود فاحم ينسدل بنعومة، وشفاه ممتلئة انتهت لتوها من التهام حبات فراولة طازجة، لا أتخيل اسماً مناسباً لها كـ "شمس"، فهي تشبهها، دافئة، متوهجة. ماذا للمسكين أن يفعل أمام هذا الغزو؟ بالتأكيد بحكم عمله قابل الكثيرات بنفس الوصف أو أقرب، ولا أعلم ماذا فعل، لكنني أراه الآن يذوب تحت أشعة "شمس" الحارقة.

مصطفى سائق لديه سيارته الخاصة، ينقل بها رحلات تتطلب ساعات سفر بعيد، وإقامة مع من يقلهم لبضعة أيام، قررت شمس أن يندمج معهم أكثر، أرادت أن تُذيب الفوارق بين الطبقات، فصارت توليه اهتمامًا خاصًا طوال هذه الرحلة. تناديه كلما جلس بعيدًا، أو تذهب لتشاركه جلسته، تتعمد أن يكون بجانبهم إلى مائدة الطعام، تسأل عنه إن غاب لدقائق، سمعتها ذات مرة تقول لرفيقة لها في الرحلة "حاسة إنه غلبان، ومش عايزاه يحس بفرق بينا".

أتدري يا مصطفى أنها تنظر إليك بشفقة، ليس بأية عاطفة أخرى!! لكن أتدري هي أنها تشعل ناره بهذه الرحمة المزعومة، ألم يُخبرها الحس الأنثوي أنها تعدت خط الشفقة، وتقف الآن على عتبة الإغواء!! كل ذلك الدلال في صوتها وهي تناديه، فترق ملامحه الخشنة، وترتبك حروفه وهو يجيب بصوتٍ خافت وكلمات لا تكاد تتبين معناها، إنها تتعامل معه في الحقيقة بلا أدنى شفقة.

حاولت أن أنبهه كثيرًا، لكن الوقت قد فات، ولم يكن الأمر عادلًا، فكيف لي وله الصمود أمام هذا الإصرار على الشفقة، وما أفقدني الأمل أخيرًا، يوم خرجت علينا بفستانٍ من الحرير الأخضر الشفاف، تتهادى بين الرمال كجنية فرت لتوها من مصباح سحريّ.

أظنني أتحدث إلى نفسي لا إلى مصطفى، أنبهه لما لم أجد منه مهربًا من عامٍ مضى، بينما كنت غارقًا في أفكاري حول الأقساط المتراكمة، محاولًا الاحتفاظ ببعض تركيزي وأنا أقود حافلة مكتظة بالبشر، ربتت على كتفي أناملها برقة كدتُ لا أشعر بها في خضم الزحام والضجيج سواء بداخلي أو من حولي. لم ألتفت، أخذت النقود وأعطيتها تذكرة كغيرها، وإن جذب انتباهي قليلًا عطر الياسمين المصاحب لها. تكررت اللقاءات وفي كل مرة كنت أشعر بها بمجرد أن تطأ قدمها سلم الحافلة، يختفي الزحام حولنا فجأة ليحل محله عطر الياسمين، يتهادى بنعومة مع حفيف ثوبها. كنا نتبادل تحية وابتسامة، مع كلمات قليلة عرفت منها مكان عملها حيث أقلها، ومنزلها في نهاية خط السير، تحولت الكلمات إلى أحاديث مطولة، ونكات خفيفة مرحة، كانت تحط بجواري كحمامة بيضاء تشبه روحها الشفافة، وحرصتُ أن أخصص لها المقعد الأمامي بجانبي، كي لا يزعجها أحد.

صرنا أصدقاء... أصدقاء نعم ولمَ لا!! أنا سائق لكنني أحمل مؤهلاً جامعياً، ظروفي صعبة لكن مشاعري تتحداها بقوة، الفارق بيننا يكاد ينعدم في كل لقاء، هي تهتم بي أي تكن لي مشاعر خاصة ..

نعم تكنّ لي مشاعر بالطبع، فبمَ تفسّر الحلوى والسندويشات التي نتشاركها!! وذلك اليوم الذي جُرحت فيه يدي فأخرجت منديلها ولفته حول الجرح، وفي اليوم التالي أحضرت علبة من لاصق جروح طبي، ومطهر تحسبًا لأي جروح قادمة، وكأن كل الجروح تتداوى باللاصق الطبي، يا ليتها كانت ...

نتشارك حب الأغاني نفسها، والأفلام، لم أكن أشعر بالطريق طالما هي إلى جواري، أصرت على التخلي عن الألقاب، فكان اسمها أغنيتي المفضلة، أعطتني رقم هاتفها في حال احتجت لشيء، وكان احتياجي لها هي. لم أجرؤ على الاتصال بها يومًا، اكتفيت بتأمل اسمها على هاتفي، وكأنني لا أصدق أن لمسة ستنقلني إلى عالمها فورًا، أسمع صوتها دون مشاركة ضجيج الركاب، دون زحام ومقاطعة من أحد يسأل عن محطة الركوب أو يطلب تذكرة.

آه عندما كانت تساعدني وتقدم التذاكر للركاب، ذات مرة تلامست أناملنا، كدتُ أصطدم بحافلة أمامي، لا تتعجب من تأثير لمسة أنامل امرأة لا يمسها إلا ضوء القمر والصباح البكر.

انتقلت لمكان عمل آخر، انقطعت الأخبار، تجرأت أخيرًا وهاتفتها، أتاني صوتها رقيقًا هشًا، لكنه حاملًا كثيرًا من المجاملات العامة، خاليًا من أي قرب!!

أنا في خانة الغريب أو أبعد قليلًا إذاً، أم في خانة الشفقة!!؟

لم تنتهِ بداخلي إلى الآن، ما زالت ملامحي تحتفظ بمسحة من ألم ورقة زرعتهما بقلبي ورحلت، يمكنني محادثتها، لكن بالتأكيد سأعود وحيدًا من هذه المحادثة.

حذارِ أن يأخذك الحنين إلى مكان تعود منه وحيدًا ...

أتسمعني يا مصطفى ... حذارِ

فهكذا تبدأ الحكايات ولا تنتهي ...

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard