"تداعيات من زمن الحبّ والرصاص" لنور الدين ضرار: رؤية إنسانية شاردة في تاريخ شبه منسيّ

10 تشرين الأول 2019 | 12:21

غلاف الكتاب.

إن الخوض في مراحل المغرب الأكثر حساسية وخطورة، من حيث التقلّبات الإيديولوجية، تبعاً لسياقات تاريخية معينة، هو بمثابة توغل في الملغوم، وحين تكون الزاوية التي تتيح محاصرة كهذه ذاكرة تنزف بمحطات الوجع الإنساني، رافلة بلبوسها التوثيقي الذي تتقاطع لديه المعرفة والثقافة، تكون صفحات التاريخ أكثر عرياً وانكشافاً.

في مجموعته الصادرة حديثاً عن جامعة المبدعين المغاربة، والتي انتقى لها عتبة "تداعيات من زمن الحب والحرب"، الواقعة في ما يربو على المئة وخمسين صفحة من القطع المتوسط، باعتمادها مسرحة الخطاب وتنويعه عبر إيقاعات تستدعي تقنية تجاذب الأضداد، ما منح مثل هذه التجربة طابع الخصوصية والمغايرة والزيغ عن المنمط في القول الشعري الحديث.

تذود المجموعة عن رؤية إنسانية شاردة في تاريخ شبه منسيّ، تحاول، في غمرة النضج والاختمار النفسي، الذات الشاعرة استحضار تفاصيل بعيدة، دالة على جرح إنساني عميق، ووجع من طراز خاص، وعلى نحو مترجم لخلل ما في هوية، كان من المفترض بعض الانفتاح على ممكنات الدفء الوطني وموجبات احتواء الكائن، وتلبية مطالبه المنوطة بإملاءات التراكم التقني، وإفرازات العصر الذي يتطور بشكل هيستيري، محموم.

نجد الدكتور محمد عرش وقد قدّم هذه المجموعة بقوله: [الشاعر هنا ينقل ما يمور من مآسي جيله، وخيبات زمنه، بما يتجاوز واقعه المحلي، ويشمل واقعه القومي، من منظور تقدمي تحرّري، ولكن دون التنازل عن قيمة الشعر برهانه المتواصل عبر كل نصوص المرحلة على البعد الجمالي في المقام الأول.

إن روعة الصورة والبناء، تتجلى في نفض الرماد عن الجمر، ومعايشة لحظات الكتابة من جديد، حيث القصائد هنا عصارة تجربة شعرية حقيقية، على الرغم من حداثة عمرها الفتيّ، من منظور تواريخ كتابتها. نور الدين ضرار الذي بلغ اليوم مرحلة متقدمة من عمر القصيدة المغربية برصيد إبداعي وترجمي وازن، يرتئي من خلال هذه المجموعة المتقدمة في زمن كتابتها، والمتأخرة في زمن نشرها لأسباب ذاتية وموضوعية، أن يعود بنا لعهد الصبا والحلم من خلال اللغة، لغة الشعر التي رافقته، في حلّه وترحاله، في سعادته وحزنه، في نجاحه ونكوصه، تبعاً لفخاخ الواقع في البحث عن جنته الخاصة، وهي بتعبير بروست في"البحت عن الزمن الضائع" تلك الجنة الحقيقية التي أضعناها.].

من هذه الخلفية، يتبدّى حجم الخسارة المدوية التي تكبدها جيل بأكمله، يقاربها الشعر، برمزيته المعهودة، ما كانت لتضيع كتلك جنة، تنرسم لها ملامح المشتهى لدى أجيال أخرى تتعاقب لتتمّم الرسالة، بيد أن ذلك الانزلاق، فرض واقعاً غير مرغوب فيه، وأسهم في تسلل الخدر والغيبوبة، إلى العقول، كما الإدماء على القلوب، فأتت على مقاسات مختلفة دوخة مركب، ولم يزل كائن ما بعد تلك النكبة، يتخبط في أضرب الخسائر والهزائم والانكسارات.

لو أن الانتقال، حينها، تم بشكل مخملي سلس، من مناخات ضاربة في الفلسفة المحافظة ومنطقها اللعين، باتجاه أفق تقدمي تحرّري منتصر لإنسانية الكائن، ومنطلق مما هو محلي ضيق، مرتقياً السلم الوجودي عبر القومي، كي ينخرط في هوية إنسانية مشتركة، لتفادينا الكثير من طقوس الدراما التي نعيش عروضها المخزية، الآن.

يقول الشاعر في إحدى مناسبات البناء الدرامي لنصوصه التي تدين زمن الرصاص:

[بيُتم الأغاني

أبكيكِ ككلِّ العائدين

من تُخوم الليل،

وأيُّ ليلٍ ما رشفنا دمعاً

من حزنِكِ الشفيفِ،

ورَفعنَا من كفنكِ رايةً

لِعُبُورنا الأثير؟

في خَتم الأماني

أبكيكِ،

وكَأني وحدي بين الرّاحلين

أبكِيكِ بلوعَةِ طفلٍ

يُودِّعُ أُمُّه الوداعَ الأَخير](1).

هنا جحيمية الزمن والمكان، على حدّ سواء، تسرق لذة الهوية من الكائن، وتنثال بكامل تلكم السوداوية القاهرة، بحيث لا تبقى البراءة، في عدا تلكم الكوة القادر على خلقها، الشِّعر وحده، بعد أن خانت الإيديولوجية، الكلّ، كونه، أي الشعر، النابض في وجودنا بسائر ما نشتهيه من قيم ومثالية وجمال.

يحصل ذلك، حتّى وإن نخرتنا المعاناة، بحيث تشحّ وسائل صرفها، ولم تبق من علياء تنفسّ عنا التَّبِعات المسكونة برواسب سنوات الرصاص، سوى القصيدة التي توقف ذلك الزمن، وتعيد صياغته حسب اشتعال الرؤى، والتنبيه إلى ضرورة الاستفادة من دروس التاريخ.

ونقتبس له أيضا قوله:

[الطائِراتُ

تسُدُّ عينَ الشمسِ،

وتُطبِقُ السّماء..

وطفلٌ بِزِيِّهِ المدرسي

جالسٌ في أوّلِ الصفِّ،

شهيداً مرشَّحاً للنسفِ،

في حضرة الأقران

يرسُم بالطبشور

على اللّوحِ عذَابَهُ..](2).

تدغدغ المتلقي لوحة البوح هذه، بعوالم الطفولة، مثلما تنتهك أنساق العودة المجروحة إليها فروسية شاعر، يحمل روح ما تبقّى من مناضل، آن له الترجّل، خبر زمن الحب والرصاص، على حدّ تعبير صاحب المجموعة التي بين أيدينا.

نطالع له كذلك:

[وحده حادي الرواة

في سوق الحي

يبدأ من الختم

وعند منتهاها

يغيبُ في سديمِ الظلام،

ووحدَنَا نصنع من اشتعال الرؤى

في أعيُنِنا حرائقَنا المُشتهاة

حرباً وسلاماً،

ونعلنُها في الأرض

أسطورةً أو أضغاث منامة،

ولنا بعدها عن ظهر القلب

كأطفال المدارس

أن نحفظَ كلَّ ما جاء فيها

قعوداً وقياماً...

هنا سيدي عثمان

بمقتضى العادة

يدفع الفقراء دمهم

مقابلَ شواهدِ الفقر والإقامة،

في حمّى الساحات

يتلاطمون حشوداً من هتاف

على اللافتات

يرفعون حشره اليوميّ،

فكل يوم موت

وكل موت قيامة..](3).

خلاصة القول إن شاعرنا أبدع في حدود هذه الفسيفساء، وقد حافظ على الوظائف الجمالية، في بناء دراما وثّقت على نحو ما، لحقبة دامية من تاريخ المغرب، صمت عنها كثيرون، ولم يقتحم حماها وينسف حصونها، سوى قلة، وداخل هذه القلة، أسماء معدودة، استطاعت مقاربة الظاهرة بشكل صحيح، معززة الفعل الإبداعي، بعمق وصدق وحرارة التجربة.

علماً أن الإدهاش لا يكتمل بغير مقامرة تأجيج الممارسة الإبداعية، إجمالاً، عبر توليفة المعرفي والجمالي، مع قوة توظيف قواعد تجاذب الأضداد، مثلما يثري ذلك هذا الديوان، نزوعاً إلى البرزخية التي قد تُكسب القصيدة حِلْميَتها، وغواية نقاط المابين، وهي الجنة المفقودة، أو الحياة المنشودة المؤطرة بثقافتين متضاربتين: الحب والرصاص/الموت.

هامش:

(1)مقتطف من نص "تذكرة لسفر النسيان" صفحة 59/60.

(2)مقتطف من نص"الطائرات تحجب عين الله" صفحة89.

(3)مقتطف من نص"هنا سيدي عثمان" صفحة 111/112.

*شاعر وناقد مغربي

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard