هل غيّر ترامب قراره السوريّ خوفاً من التحقيق في الملف الأوكرانيّ؟

9 تشرين الأول 2019 | 15:08

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب - "أ ب".

من كانون الأوّل 2018 وحتى تشرين الأوّل 2019، لم ينتظر التاريخ طويلاً حتى يكرّر نفسه مع البيت الأبيض. بدا القرار الأخير للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بالانسحاب من شمال شرق سوريا نسخة مطابقة إلى حدّ بعيد لقراره الذي اتّخذه أواخر السنة الماضية. جاء كلا القرارين بعد اتصال هاتفيّ مع نظيره التركيّ رجب طيّب إردوغان، قبل أن يهدّد تركيا بعد ساعات، وعلى "تويتر"، ب "تدمير" اقتصادها في حال مهاجمتها الأكراد. وبعد أيّام قليلة أصبح القراران الأساسيّيان لاغيين أو مؤجّلين، لكن من دون الإعلان عن ذلك بطريقة صريحة. ويكمن تشابه القرارين أيضاً في أنّهما يعبّران عن القناعة الحقيقيّة لترامب بغضّ النظر عن تراجعه اللاحق (باستثناء سحبه حوالي 100 جنديّ من بلدة رأس العين) بسبب ضغوط المقرّبين منه.

مخاوف لم تتبلور

لكنّ الضغوط التي يواجهها ترامب هذه المرّة غير محصورة بالملفّ السوريّ. فالتحقيقات التي يجريها الديموقراطيّون في احتمال استخدام نفوذه ضدّ أوكرانيا لتسهيل مواجهة منافسه الرئاسيّ جو بايدن، هي محور اهتمام ترامب حاليّاً. صحيح أنّه في كانون الأوّل، كان روبرت مولر لا يزال يجري تحقيقات بشأن احتمال تواطؤ حملته الانتخابيّة مع الروس، لكنّ التحقيقات الحاليّة تبدو أكثر إلحاحاً، مع سلوكها طريق المجلس النيابيّ وبالتزامن مع قرب إطلاق ترامب حملته الانتخابيّة. وفقاً لعدد من استطلاعات الرأي، تأثّرت شعبيّة الرئيس الأميركيّ بعد تحرّك المجلس النيابيّ. لكنّ الأهمّ على هذا المستوى هو عدم تحقّق نظريّة كانت تخيف الديموقراطيّين عند أيّ حديث عن محاولة عزله.

في السابق، كان بعض الديموقراطيّين يتخوّفون من أنّ إطلاق تحقيقات حول سلوك الرئيس الأميركيّ يمكن أن ينعكس سلباً عليهم ويؤمّن عصباً إضافيّاً لنواة قاعدته الشعبيّة وزيادة محتملة في عدد المؤيّدين له ضمن الفئات المستقلّة. لكن في استطلاع رأي حديث أجري الأسبوع الماضي، يبدو أنّ هذه المخاوف لم تتحقّق.

يوم السبت، كتب هاري إنتن في شبكة "سي أن أن" أنّ استطلاع رأي لمركز "غالوب" وجد أنّ شعبيّة ترامب تصل إلى 40% وقد انخفضت 3% عمّا كانت عليه قبل شهر. وشرح أنّ شعبيّة ترامب لم ترتفع على عكس ما تخوّف منه الديموقراطيّون في السابق. وذكر أنّ استطلاع "سي أن أن" وجد أنّ مؤيّدي المحاكمة ارتفع من 41% قبل بدء الإجراءات إلى 47% واستطلاع جامعة "مونماوث" يرفع الرقم إلى 49%. لم يستبعد إنتن أن تتغيّر هذه الأرقام لاحقاً إذا بدا الديموقراطيّون مبالغين في التحقيقات، لكنّه لغاية الآن يشير إلى أنّ الأرقام تظهر أنّ الإجراءات لم ترتدّ إيجاباً على شعبيّة ترامب.

"تصدّعات"

هل استند الرئيس الأميركيّ إلى هذه الأرقام حين أعلن بداية أنّه سيسحب قوّاته من الحدود مع تركيا؟ هذا الأمر وارد عند ترامب الذي يدرك أنّ سحب الجنود الأميركيّين فكرة تدغدغ لا مشاعر جمهوره وحسب بل أيضاً مشاعر معظم الأميركيّين، إلى جانب إثباته أنّه شخص ينفّذ وعوده الانتخابيّة. لكنّ تراجعه السريع عن قراره لم يترك مجالاً لمعرفة ما إذا كان الانسحاب من سوريا سيقلّص نسبة المؤيّدين لمحاكمته.

بصرف النظر عن احتمال وجود تأثير لهذا القرار على شعبيّته، لا تبدو الأرقام الأخيرة مشجّعة على الصعيد الجمهوريّ. في استطلاع رأي مشترك لصحيفة "الواشنطن بوست" و"كلية شار للسياسة والحوكمة" التابعة لجامعة جورج ماسون أجري بين 1 و 6 تشرين الأوّل ونُشر أمس الثلاثاء، أيّد 28% من الجمهوريّين تحقيقات مجلس النوّاب وهو رقم أعلى ب 21 نقطة مئويّة عن استطلاع سابق ل "واشنطن بوست" وشبكة "أي بي سي" في أوائل تمّوز الماضي. وأراد 18% من الجمهوريّين أن يصوّت مجلس النوّاب لصالح عزل ترامب من منصبه، في مقابل 49% لدى المستقلّين و 78% لدى الديموقراطيّين.

وفي استطلاع رأي آخر أجرته صحيفة "ذا وول ستريت جورنال" مع شبكة "أن بي سي" بين 4 و 6 تشرين الأوّل، أيّد 55% من الأميركيّين إجراء تحقيق في مجلس النوّاب بالحدّ الأدنى وهو الرقم الأعلى لاستطلاعات الطرفين خلال هذه السنة. ويؤيّد حوالي 20% من الجمهوريّين هذه التحقيقات، وفقاً للاستطلاع نفسه. وذكرت "سي أن بي سي" في إضاءتها على الموضوع الثلاثاء وجود "تصدّعات" في قاعدة ترامب الشعبيّة التي انخفضت لدى الجمهوريّين من 90 إلى 84% بالتزامن مع انخفاض شعبيّته العامّة من 45% إلى 43% في شهر.

"مسمار في النعش؟"

يوم الثلاثاء أيضاً، تساءل مراسل مجلّة "ذا ناشونال إنترست" هانتر دي رنسيس عمّا إذا كان قرار ترامب حول سوريا سيدفع الجمهوريّين إلى دعم اتّهام ترامب. استند المراسل إلى كلام رئيس الأغلبيّة الجمهوريّة في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل الذي قال: "إنّ انسحاباً متسرّعاً للقوات الأمريكيّة من سوريا لن يفيد إلّا روسيا، إيران ونظام الأسد. وسيخاطر بإعادة تجمّع داعش ومجموعات إرهابيّة أخرى". واستشهد أيضاً بكلام السيناتور الجمهوريّ المؤيّد للرئيس الأميركيّ ليندسي غراهام الذي شبّه خطوة ترامب بخطوة سلفه باراك حين انسحب من العراق. وكتب دي رنسيس: "هل ستكون خطواته غير المستقيمة في السياسة الخارجيّة مسماراً في النعش الذي يقنع الأعضاء البارزين في مجلس الشيوخ بأنّهم سيفضّلون حزباً جمهوريّاً من دون ترامب عوضاً عن حزب بوجوده؟".

هذا السؤال يشرّع أيضاً السؤال حول ما إذا كان ترامب قد أعاد دراسة قراره بناء على الحسابات الداخليّة المرتبطة بالحقيقات حول أوكرانيا أو إذا كانت إعادة الحسابات متعلّقة فقط بنصائح المحيطين به خصوصاً أنّها ليست المرّة الأولى التي يتراجع فيها عن هكذا قرار. ويذكر دايفد أدسنيك في شبكة "فوكس نيوز" أنّ لدى ترامب "حساسيّة" إزاء تصنيف فعلته على أنّها "خيانة" للأكراد. بالتالي، أمكن أن يكون قد تراجع عن قراره لهذا السبب بشكل كبير. وعاد ترامب لاحقاً ليصف المقاتلين الأكراد بـ "الرائعين".

بين المبالغة والمؤشّرات

قد يكون توجّه الجمهوريّين في مجلس الشيوخ إلى القبول بحزب أو برئاسة أميركيّة من دون ترامب توقّعاً مبالغاً به حتى ولو كانت سياسته الخارجيّة غير مستقرّة. لكنّه في الوقت نفسه، ليس من دون أسس بشكل كلّيّ. رأى جون هاروود في شبكة "سي أن بي سي" الاثنين أنّ أغلبيّة الجمهوريّين في الكونغرس لا تزال مؤيّدة لترامب وهذه الأغلبيّة دافعت عنه علناً أو بقيت صامتة على الأقلّ. لكنّه أضاف أنّ استطلاعات الرأي الحديثة "تسلّط الضوء على احتمال تآكل بين الزملاء الجمهوريّين ممّا قد يهدّد في نهاية المطاف قدرة الرئيس على النجاة من محاكمة مجلس الشيوخ".

ونقل عن المخطط الاستراتيجيّ الجمهوريّ السابق توم دايفس قوله: "إذا كنتَ أنت الرئيس فعليك أن تأخذ ذلك بجدّيّة. ما يحرّك هذا هو الرأي العام في نهاية المطاف. أولئك الأعضاء يحبّون وظائفهم". ومع ذلك، يحذّر الخبير الجمهوريّ في استطلاعات الرأي غلين بولجر من "أنّنا لا نزال بعيدين عن أن يكون أيّ جمهوريّين مستعدّين للتصويت لصالح توجيه اتّهام، حتى ولو لم يكونوا يحبّون الرجل".

وسط كلّ هذه التعقيدات الداخليّة، سيظلّ من الصعب التأكّد ممّا إذا كان ترامب قد تراجع عن قرار الانسحاب بسبب خوفه من انشقاقات جمهوريّة محتملة في مجلس الشيوخ يمكن أن تشكّل خطراً عليه إذا وجّه مجلس النوّاب قرار الاتّهام. لكنّ شيئاً أكيداً يمكن توقّعه في المرحلة المقبلة: تركيز المراقبين أكثر على سياسة ترامب الخارجيّة وعلاقتها المحتملة بالتحقيقات في الملفّ الأوكرانيّ.

هل هناك أزمة غذاء ومواد استهلاكية في السوق؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard