المهرّج في محاولته اليائسة لرتق اليأس

9 تشرين الأول 2019 | 09:46

المهرّج، لجورج دروو

يُنهي المهرّج يومه التهريجيّ الطويل، معترفًا لمراياه بالآتي:

إنّي أموت موتًا بطيئًا أيّتها المرايا. إذ من المفجع حقًّا أنْ أظلّ أشهد لكذبتي الجميلة المراوغة، بدل أنْ أشهد عليها، وأنْ أظلّ أتواطأ معها، كأنّها حقيقتي الساطعة. هل تعرفين أيّ وجعٍ أتوجّعه لأني لا أتعرّف على نفسي في شخص المهرِّج، ولأنّي لا أرى نفسي في المرايا؟ حتى لأجدني أقول أحيانًا في وصف هذا الضحّاك الجريج الذي هو أنا: يا له ضحّاكًا عبقريًّا. فلأمتدح قدرته الفائقة على الإضحاك والتهريج، ولأهجُ عجزي عن اجتراح ضحكةٍ واحدةٍ تدمل روحي. عساه يستطيع أنْ يتسرّب إلى نخاعي الشوكيّ ليحرّرني من نخاعي الشوكيّ، ويصيّرني إيّاه، فأضع بذلك حدًّا نهائيًّا لانفصامي!

لا ينتظر المهرّج جوابًا من المرايا، لكنّه يواصل اعترافه أمامها:

إنّي أموت موتًا بطيئًا، أيّتها المرايا. إنّي أبكي لا أضحك. إنّي أتلوّى لا أتراقص. أشاهد موتي أمامي، وأمعن فيه، بدل أنْ أجعله خادمي. لم يعد في مقدوري مواصلة هذه المهمّة الشائكة التي تقتضي منّي أنْ أُوهِم نفسي بالفرح وأنْ أعِد الناس به. إنّي قليل الإيمان، يا مرايايَ، بل عديمه، ولا أرى منه أيّ بصيص. لقد آن الأوان لأجد عملًا آخر. من مثل أنْ أقتل هذا المهرّج الذي فيَّ، أو من مثل أنْ أدخل في المرايا العاكسة لأُرِي الناس حقيقة الانفصام الهائل الذي يحدث على المسرح.

هذه هي المعادلة القاتلة التي تتملّكني، أيّتها المرايا: من جهة، ثمّة دمارٌ تراجيديٌّ في قعر الذات، وثمّة في الجهة المقابلة، أعراسٌ عند المشاهدين الهاربين من نفوسهم وأعمارهم، وثمّة أيضًا أعراسٌ في مقابر الضمير، وفي منتجعات القصور ووراء نتانات الكواليس.

ينبغي لي أيّتها المرايا، أنْ أُرِي الناس أيضًا كيف أعود مهزومًا إلى سريري النحاسيّ وإلى خراب الليل، وأنْ أُريهم ماذا يفعل أصحاب السلطان بأيّامهم، وكيف يستيقظون، وكيف يأكلون، وكيف يغتسلون، وكيف تفوح الروائح الكريهة من أرواحهم، وكيف يتخاطبون، وكيف يتراكمون كالدود، وكيف يراكمون الضحايا، وكيف يجمعون الثروات، وكيف يُفسدون العيش، ويجعلونه مستحيلًا.

إنّي أموت أيّتها المرايا، لأنّي - وأنا في ذروة التهريج – أشعر بالانفصام الهائل بين شخصي وشخص المهرّج. الأوّل يستحيل عليه أنْ يقنع ذاته بالتهريج على ذاته، في حين أنّ الثاني يمعن في أداء موهبة التهريج على شخص الشاعر.

إنّي أتَضَاحَك – لكنّي أموت - أيّتها المرايا، وإنّي أتراقص – لكنّي أتلظّى – كالمذبوحين بأظفار أيديهم، مجتهدًا في إضفاء حالٍ من الفكاهة الساخرة على حركاتي البهلوانيّة، لأُنقِذ – يا لسذاجتي - أيّام الناس من أقدار الوقوع في البراثن الثخينة. إنّي أموت موتًا حقيقيًّا أيتها المرايا، يا مرايايَ العزيزة، على غرار الموت الافتراضيّ الذي أموته، عندما أقفز في الفراغ العبثيّ لأكشح غيمةً كثيفةً واطئة، داعيًا إيّاها إلى البقاء على مسافةٍ قليلةٍ من النسيم الضئيل الباقي.

إنّي أنا المستلقي على خراب الليل، إنّي انتحر ببطءٍ، أيّتها المرايا.

***

هذا ما تتناهى أصداؤه من ارتطام روح المهرّج المأسويّ بشظاياها، لدى عودته في ساعةٍ متأخّرة من الليل، ليلتئم بما تبقّى من شظايا روحه.

ينام المهرّج قتيلًا في ثياب المهرّج، ليستيقظ، مخاطبًا ذاته، في فجر عطلته الهاربة، خاليًا من الانفصامات، ومتحرّرًا من الأوهام الموروثة والمستقبليّة.

يحضّر المهرّج قهوته الشخصيّة، على سجيّته، مستعينًا بجمر الفجيعة اللئيمة.

على مقربةٍ منه، كوبر، صديقه، يراقبه مطمئنًّا إلى أقدار المعادلات المرسومة، وإلى توازنات الشرط البشريّ الأحمق، ناظرًا برأفة إلى صديقه المهرِّج، مشفقًا عليه، قابلًا بحنكته الغريزيّة القسمةَ التي قُسِمتْ لهما، ومتناسيًا – يا لذكائه المفرط - أنّه أسيرُ هذه الحلقة الجهنّميّة المفرغة.

يتأمّل المهرّج حرارة القهوة الناعسة، ويضيع في غيمةٍ مفترضة من غيومها المبدّدة، في محاولةٍ يائسةٍ منه لرتق اليأس الفرديّ واليأس (اللبنانيّ) العميم، قبل أنْ يعود إلى مواصلة مهنته الأبديّة!

Akl.awit@annahar.com.lb

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard