أقرب الأعداء

8 تشرين الأول 2019 | 10:42

المصدر: النهار

في أغلب الأحيان، عندما نشهد على صراع بين طرفين عدوّين نرجع إلى ماضيهما

في أغلب الأحيان، عندما نشهد على صراع بين طرفين عدوّين نرجع إلى ماضيهما ونكتشف أنّ جذور هذه العداوة ليست إلّا صداقة قديمة تبدّلت مع تبدّل الظروف والمصالح. هذا هو الوضع اليوم بين إيران وإسرائيل.

في العصور القديمة، توافد الشّعب اليهوديّ بكثرة إلى الأراضي الإيرانيّة. فالإمبراطوريّة الفارسيّة سيطرت طويلًا على الشّرق الأوسط واحتضنت الشعب اليهوديّ ليحمل قسمًا منه فيما بعد الجنسيّة الإيرانيّة. وما زال حتّى اليوم قسم من شعب إيران من اليهود. وبحسب كتاب "Treacherous alliance, the secret dealings of Israel Iran and United States" للكاتب Trita Parsi، كان الإيرانيّون اليهود أقرب إلى الإيرانيّين المسلمين من حيث الثّقافة والعادات والتّقاليد ليشعروا أنّ إيران هي وطنهم الأمّ.

بعد إعلان قيام دولة إسرائيل ورفض الأطراف العربيّة هذا الإعلان، شعرت إسرائيل بتهديدٍ وجوديّ وصعوبة التّأقلم مع جوارها العربيّ. ومَن لدى إسرائيل إلّا إيران لتتشارك معها هذه الأحاسيس؟ بالفعل، كانت إيران وإسرائيل دولتين غير عربيّتين "محصورتين" بين دول عربيّة، ومنفصلة تمامًا عن جوارها ثقافيًّا ولغويًّا. تمسّكتا ببعضهما البعض، وتبنّى شاه إيران علاقات سرّيّة زراعيّة، تجاريّة وعسكريّة مع إسرائيل من دون اعتراف الإيرانيين رسميًّا وعلنًّاً بدولة إسرائيل. فمن جهة، كانت إيران من أقوى الدّول نفطيًّا في الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى لإسرائيل قدرات عسكريّة استثنائيّة في المنطقة. سندت الدّولتان بعضهما البعض تحت رعاية أميركيّة، في الوقت الّذي كانت فيه الدّول العربيّة المجاورة وعلى رأسها مصر بقيادة جمال عبد الناصر تدعم الاتّحاد السوفياتي في المنطقة.

بعد الحروب العربيّة-الإسرائيليّة وانتزاع إسرائيل بعض الأراضي العربيّة بالقوّة، بدأت إيران تتراجع عن قناعاتها السّابقة في ما يخصّ إسرائيل، وعارضت بشدّة هذا التعدّي على الأراضي العربيّة. فانضمّت إلى التحالف العربي بقيادة الرّئيس المصري الجديد حينها أنور السّادات. وهذا التّحالف تخلّى عن دعم نظام الاتّحاد السّوفياتي في المنطقة ليصبّ إلى جانب الولايات المتّحدة الأميركيّة. بقيت العلاقة الأميركيّة-الإيرانيّة قائمة لحين قيام الثّورة في إيران عام 1979 والانقلاب على نظام الشاه لتعلن الجمهوريّة الإسلاميّة الجديدة علناً عداءها للولايات المتّحدة، وبطبيعة الحال لإسرائيل الحليفة الأولى لأميركا. وهذه العداوة تدهورت أكثر فأكثر مع مشروع الشرق الأوسط الجديد الأميركي – الإسرائيلي وتطوير إيران برنامجها النووي، وعداوتها الحالية مع بعض الدّول العربيّة.

إذًا، يمكن القول إنّه ربما تكون عداوة إيران وإسرائيل "مفبركة"، من قِبَل جهات أخرى وأقوى، وهما ضحيّتا المشروع الإقليميّ الأميركي. فهل من عداوات جديدة "قريبة" من بعضها البعض ستُخلق مع الوقت نتيجة خطط مستقبليّة مصيريّة في المنطقة أو تلاقي المصالح؟

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard