"منحبك يا مجنونة"... الوداع الأخير لنادين جوني زهرة تشرين المتمرّدة

7 تشرين الأول 2019 | 20:36

المصدر: "النهار"

  • علي عواضة
  • المصدر: "النهار"

نادين وكرم.

"ندوش"، أعتذر منك سلفاً عن كتابة هذه السطور، ثم أعتذر عن المسافة التي حكمت بيننا في الأشهر الأخيرة. أعلم جيداً أنكِ لستِ من محبي الرثاء ولا النعي ولا حتى البكاء، رغم أنّ معظم أوقاتك كانت مليئة بالحزن والفرح معاً. لو أنه بإمكانك الآن تصفّح مواقع التواصل الاجتماعي لأدركتِ جيداً حجم الحب والعاطفة التي يكنّها الأصدقاء لكِ، يا أم كرم.

قبل نحو 7 سنوات، تعرّفتُ إلى سيدة تحمل العاطفة والجنون والغضب والتمرد في شخصية واحدة. سيدة لم ترَ من العُمر سوى 29 عاماً. نادين المفعمة بحبّ الحياة، يعرف قصتها الجميع مع ابنها كرم، ويعلم معظمنا حجم الألم، لكنّ الأصدقاء المقربين منها يعلمون فعلاً أن خلف هذه السيدة الجبارة، كمّاً كبيراً جداً من الحب الناتج عن ألم عميق من حرمانها حضانة ابنها. حب كبير دفعها لتؤسس مع زميلتها في المعاناة زينة ابرهيم حملة تطالب برفع سنّ الحضانة لدى الطائفة الشيعية رأفة بأمهات مظلومات. حبّ جعلها تفتح حرباً مع مجتمع يرفض منح الطفل عاطفة أمّه المطلّقة لأسباب بالية. حب جعلنا نؤمن بقضيتها ونلمس تفاصيل المعاناة. صرخاتها على الشاشات ستبقى في آذان من حرمها طفلها بقوانينه. نادين أرادت أن يتحول وجعها قضية، ونجحت.

أعلم أنّ هذه السطور لا تكفي للحديث عنكِ، أنتِ السيدة التي لا تنام، المُحبة للحياة بكل ألوانها، العاشقة لاسطنبول، المتيّمة بهولندا، "الرحّالة"، إن صحّ القول. نادين المرحة الضحوكة (يا نادين وطّي صوتك فضحتينا!)، نادين الحالمة بغد أفضل، الطموحة جداً، العاشقة لوضع خطط لمستقبلها ومستقبل ابنها كرم، "أنا بدي اتعب لكرم بس يكبر ما يعتاز شي"، الباحثة عن الأمان دوماً، نادين المُصلحة الاجتماعية لنا، بطريقتها الحادة، تسخر من الأمور دوماً وتنتظر الأفضل، تؤمن بأن الغد أجمل، في أشد ليالي الألم. نادين الحنونة التي ترضى بغمرة. مجموعة متناقضات في امرأة واحدة. نادين التي لا تعرف لحلمها حدوداً، نادين القضية التي يجب ألا تموت.

قصص كثيرة لا يمكن حصرها في مقاطع متواضعة، إلاّ أن معظمنا نتشاركها معها. نادين كانت بئراً لقصص الأصدقاء، المتابِعة لأدق تفاصيل حياتهم، نادين المتدخِّلة بمشاكل لا علاقة لها بها فقط لاقتناعها بفكرة ما، نادين المستمعة لقضايا اللاجئات، والطامحة للتطور بعملها من أجل قضيتهن... ظالم بحقّنا هكذا رحيل. "منحبك يا مجنونة".

تعالي لأخبرك عن بنت جبيل اليوم، في وداعك الأخير غصّ بيت العائلة بالأصدقاء، بزملاء العمل ورفاق الدرب والنضال، بالمحبين، بالأقارب، وحتماً رفيق دربك لـ5سنوات زميلنا حسين طليس. تقدَّمَنا كرم، أجل كرم يا نادين. وكأنه كان عليك أن تموتي كي يُسمح لطفلك بالمجيء في غير اليوم الأسبوعي المخصص للزيارة. جميعنا هنا يا نادين إلا أنتِ. لكن حضورك كان أقوى رغم الغياب.

حضور روحك التي طافت في فضاء باحة، علت فيها أصوات النسوة، بكاء تارة، وصراخ وشقّ الصدور تارة أخرى. عيوننا الدامعة حدّقت ببعضها البعض، كأنها تسأل: "هل سينتهي هذا الحلم ونستفيق؟". في الأعلى رُفعت صورة كبيرة لوجهك الممتلئ أملاً ينظر إلينا من فوق ليذكّرنا بقضية لن نتخاذل عن مساندتها.

غاب كرم عن الأنظار، سألنا عنه ليأتي الجواب: "ذهب لوداع نادين". وخلال ساعة، حضرتِ لتحُلّي بيننا في تابوت خشبي استقر وسط غرفة جمعت المقربين. في تلك اللحظة خارت القوى، ومن تمالك نفسه منذ الصباح، استسلم لانسياب الدمع. البعض حاول إراحة نفسك بالصلاة فوق رأسك المغطى بقماش زهري يليق بزهرة تشرين، آخرون حملوا إليك رسائل وداع وسلامات من أصدقاء حالت المسافات والظروف دون حضورهم. كنا نتمناه وداعاً طويلا علّه يمحو شيئاً من هول الصدمة، لكن ما لبثت أن دقت الساعة الأولى بعد الظهر ومعها كان علينا أن نتوجه وإياك إلى مثواك الأخير في مدافن البلدة. لا أخفي عليك، كانت اللحظات الأصعب والأشد قسوة، فكيف لنادين التي ضاقت عليها حدود القوانين الدينية والأعراف الاجتماعية البالية أن ترقد في حفرة محكمة الإغلاق زيّنّاها بأكاليل الورود لنقنع أنفسنا أننا لم ندفنك، بل غرسناك زهرة في أرض الجنوب الخصبة، لتزهري في نفوس فتياتٍ لا سبيل لهن في الخلاص، إلا إذا كنّ على صورتك ومثالك، قويات مناضلات ثائرات.

انتهى اليوم الطويل الذي خصصناه للوجع والحب، أما غداً فيوم آخر يا نادين، في رحلة النضال التي نعاهدك على استكمالها، إيماناً منا بحتمية انتصار قضيتك.

الثائرات هن المناضلات.


فاهي حديديان .... تنظيم قطاع الصاغة ضروري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard