إعلام إيران "المندسّ"

7 تشرين الأول 2019 | 10:08

قبل عامين، وقبيل انتهاء السيد مقتدى الصدر من زيارته للملكة العربية السعودية آنذاك، نشرت جريدة موالية لإيران، لكنها ذات "عمامة تقدمية" وثوبٍ "يساري" مهلهل، مقالاً ذكرت فيه "وفقًا لمعلوماتها، أن السيد الصدر بعد عودته سيُلقي خطابًا ناريًّا وسيحضّر لمظاهرات تطالب بحل الحشد"، وببراءة مصطنعة تحاول إيهام القارئ، رددت بعدها وسائل إعلام إيران في العراق هذا المضمون "المنقول عن جريدة يسارية"، فسرى غليانٌ وتوترٌ في الشارع العراقي كاد أن يؤدي إلى صدام، مما دفع الناطق باسم التيار الصدري صلاح العبيدي إلى نفي الشائعة.

قبل تصريح العبيدي كنت اتصلت هاتفيًّا مرتين بالصحافي الذي كتب المقال وأوضحت له الغليان الذي تركه مقاله وما قد يثيره ذلك من فتنة، ورجوته أن يقوم بخطوة توضيحية، لكنّه تهرب في المرتين ولم يشأ فعل أي شيء.

في اتصال ثالث أرسلت لـه رابط تصريح الناطق باسم التيار الصدري، فكان الحوار الآتي بيني وبينه على الخاص في الـ"فايسبوك"، حيث كتبت تحت الرابط:

-عجبك؟ تحياتي

-هههههه.

-شكراً إذن لـ"حرصك" و"حرص" جريدتك.

-بكرا منشوف التظاهرات ومنذكّر بعض.

-أعرف، سيكون هناك مندسّون "إيرانيون" يطلقون الشعارات التي تؤكد "صدق" معلوماتك.

انتهى الحوار.

تصوروا أنه رغم نفي الناطق باسم التيار الصدري، أصر هذا الصحافي على شائعته غير آبهٍ بما يمكن أن تؤدي إليه من نتائج دموية في الشارع العراقي، لا بل إنه كان يراهن على ما سيجري في التظاهرات، بينما يقتضي العرف نشر النفي في الصفحة نفسها التي نشر فيها الخبر.

أما في هذه الأيام التي تسيل فيها دماء العراقيين، فإن الصحافي ذاته، وفي الجريدة اليسارية المعمة ذاتها، قد نشر بأن القناصة الذين استهدفوا المتظاهرين العراقيين هم "بتشغيل سعودي أمريكي"، زاعمًا استناده إلى "مصدر حكومي رفيع"، وذلك في محاولة للتغطية على جرائم إيران وميليشياتها التي يعرف العراقيون سطوتها وعقائديتها وولاءها الأعمى لمشروعٍ لا يأبه بدماء الناس إذا ما عرقلوا مسيرته حتى وهُم يطالبون بحقهم في وطنٍ آمنٍ وحياةٍ حرةٍ كريمة، أو وهم يصرخون من أجل إنقاذهم من الجوع والعوز والبطالة في بلادٍ تُسرق ثروتها على أيدي الميليشيات ذاتها والأحزاب التي تقف وراءها.

لكن هذه المحاولة سرعان ما قابلها تصريح لقائد عمليات بغداد الفريق الركن جليل الربيعي بعد لقاء عقده يوم السبت مع شيوخ عشائر الكرخ في الشطر الغربي من العاصمة قال فيه: "إن الجهد الاستخباري في القيادة حاول اعتقال قناص، إلا أنه تمكن من الفرار الى جهة مجهولة"، وذلك ما يشير في رأينا إلى أن القناصين يتمتعون بغطاءات قوية لا يستطيع توفيرها سوى الميليشيات المتحكمة بمرافق البلاد، وإن القوى الأمنية فضحت عجزها عن إلقاء القبض على القناصين فضلاً عن عدم قدرتها على كشف الجهات التي تقف وراءهم، وذلك بسبب سطوة الميليشيات ومن ورائها إيران.

في هذا السياق تأتي تغريدة المسؤول الإيراني حسين عبداللهيان التي قال فيها "إن الصهاينة وحماة الإرهاب التكفيري هم وراء الأحداث الاخيرة في العراق" و"إن هذه المؤامرة سيتم احباطها"، مما يعني أن هذه الميليشيات ستزداد شراسةً في مواجهة المنتفضين من أبناء شعبنا وأن دماءً كثيرة ستسيل في ظل الحجب التام لشبكة الإنترنت وعجز القوى الأمنية المشار إليه في حماية المتظاهرين السلميين من رصاص الميليشيات.

إن أي آلياتٍ لللتغيير وإصلاح الأوضاع في العراق لن يكتب لها النجاح دون نزع سلاح الميليشيات الحزبية والعشائرية وإنهاء سطوتها على الدولة والشارع العراقي، خصوصًا تلك الموالية لإيران وتخضع لمرجعيتها الدينية والسياسية والعسكرية. فبسبب هذه السطوة لا يتمتع برلماننا ولا حكومتنا باستقلالية تامة، أما الأجهزة الأمنية فهي أكثر خضوعًا لهذه السطوة، نتيجة التغلغل الواضح فيها للعناصر الموالية التي لا تعرف سوى مصلحة "الجمهورية الإسلامية"، لذلك فإن الرد على مطالب شعبنا العادلة كان الرصاص الحي، وفي المناطق القاتلة.

هنا أود تذكير العلمانيين واليساريين والليبيراليين، عراقيين وعربًا، ممن ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي ويلعبون دوراً إعلاميًّا في الترويج لسياسة إيران تحت بند "المقاومة" ويصمتون في كل مرة تسيل فيها دماء شعبنا على يد ميليشياتها وأحزابها، بتصريحات علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، التي أطلقها من بغداد قبيل الانتخابات العراقية الأخيرة ببضعة أشهر وقال فيها بأن "الصحوة الإسلامية" لن تسمح بعودة الشيوعيين والليبيراليين. أود أيضًا تذكيرهم وتذكير القوميين منهم بتصريحات علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني التي كشف فيها طبيعة التفكير القومي الإيراني حينما قال إن "بغداد عاصمة الامبراطورية الفارسية" وغير ذلك من تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي لا تقيم وزنًا حتى لمشاعرهم بإعلانها الفاضح السيطرة على عواصم عربية عدة، كما أذكّر هؤلاء جميعًا والأخوة الفلسطينيين بتصريحات قيس الخزعلي التي أطلقها من الحدود الفلسطينية اللبنانية وقال فيها إنهم يمهدون "لدولة صاحب الزمان"، وأترك لهم، أي للأخوة الفلسطينيين، أن يدركوا معنى ذلك.

وإذا كنا نلتمس لكل هؤلاء عذراً وهم يقدّمون المقاومة على المفاعيل والنتائج اللاحقة التي يجرنا إليها المشروع الإيراني على المستوى الاستراتيجي، وذلك في العجز العربي والخذلان الذي تطعمنا إياه الأنظمة العربية كل ساعةٍ وحين وهي لا تملك في مواجهة المشروع الإيراني سوى مشروع طائفي مضاد، هو أكثر خطورةً وقسوة على الديموقراطية والمدنية والحضارة، فإننا لا نعذر صمتهم كل مرّة ودماء شعبنا تسيل على مرأى من عيونهم، فإن لم يستطيعوا الخروج إلى الشوارع في إدانة واضحة فإنهم مدعوون لاستخدام منصاتهم الإعلامية الممكنة في فضح دموية الميليشيات وطبيعة ارتباطها بأمر العمليات الإيراني، وذلك كي لا يشكلوا بصمتهم هذا جزءاً من الإعلام الإيراني "المندسّ"، مع إننا لا نرجو لهم ذلك.

أبو أحمد: لن نستسلم والصحف ستعود الى مجدها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard