نادين ماجدة جوني رحيلكِ جمرُه أبديّ

6 تشرين الأول 2019 | 14:40

المصدر: "النهار"

نادين جوني.

لا نحتاج إلى صفعات الموت لندرك أنّنا عابرون. ثمة موت يُصدَّق وموت لا يُصدَّق، وإن أشار منطق الأقدار إلى أنّنا جميعاً راحلون. أنانيةُ التصنيفات مرعبة، تدفع إلى الظنّ أنّ بعض البشر يستبقون الرحيل لجعل الغياب فجيعة ولترك شيء يُدعى الجمرة الأبدية. ربما لم يقرّروا ذلك، ولم يشاؤوا الاتجاه نحو النهايات بأقدام مُهروِلة، لكنّها حكمة الله وفلسفة الأعمار. ترحل نادين جوني، أو كما تسمّي نفسها في "فايسبوك"، نادين ماجدة جوني، لتُخربط منطق الرحيل والبقاء. كأنها تُكمل المواجهة، وإن هَمَد الجسد، فتُعلّم عظيم الدروس، بالإشارة إلى تفاهة أطماع الإنسان وسذاجة خوضه معارك خاسرة.

أرادت ابنها كرم في حضنها، فردّت المحكمة الجعفرية طلب أم تحترق. كرم، ذلك الصبي الذي يضحك مع أمه في الصور. ربما مدّها بالحياة وعلّمها جمال الكفاح حين يتعلّق الأمر بمن نحبّ. راحت الصرخة تتحوّل قضية نبيلة رُشقت بالحجارة، فتلقّت نادين الضربات. مع كلّ خذلان، صورة "فايسبوكية" ضاحكة وإعلان استمرار. ومع كلّ خيبة، ترى في كرم أملاً مضيئاً، يضمّد الجرح ويثقب العتمة، عتمة ظلم "القوي" و"فرعنة" المتسلّط، ولؤم الممسِك بالأعناق، فيُدخل، هذا الأمل الرقيق، شعاعات تشبه عصافير الصباح، تجعل الغد أحلى.

لكن لا غد سيعود، فآن، أو فُرِض أوان الاستراحة. ستنزل الضحكة عن الوجه لتتّخذ من الذاكرة حيّزاً عذباً. ستجد شرقطات العينين مكانها في الروح الهائمة في كلّ مكان صادق، حيث الأوجاع الإنسانية وكذبة العدالة والدفاع عن الحقّ حتى الأنفاس الأخيرة. ندرك أنّ الرحيل هو للأجساد فحسب، يحملها من أدنى إلى أعلى، ومن الاحتمالات إلى الثبات. وندرك أنّ الإنسان عاجز عن تحدّي الموت، مهما بلغ وعلا. إنه القهر الأزلي- الأبدي المغمّس بالحسرات والآهات وكسر الظهر. الراحل، كنادين، لا يرحل بمفرده، بل يصطحب معه الأسئلة ويجرّ خلفه إشكاليات العُمر، من الرفض والانصياع والتقبّل والاعتراض، وحتى الوصول أو الاستحالة. لأنكِ بهذا الموت تعرّضين كلّ المفاهيم للمراجعة والاستنكارات، وتُرغمين الأحياء، أي نحن، على التأمّل بالقدرية والجبرية، والتطلّع إلى السماء والأرض بعيون أطفال، إنما بأحمال عجائز، مثقلين بالتجربة والشرط البشري، مُرهَقين بالهمّ والقلق، لا سبيل أمامهم سوى الاقتناع بأنّ الحياة تستحقّ أن تُعاش، لكن بأقلّ استبداد وأقلّ أحكام تجاه الآخر وأقلّ أذية.

وداعاً نادين. محزن هذا الرحيل. له نكهات مُرّة، ترجِّف الجسد. ليست لنا في الأقدار يد، إن تحدّيناها أو سايرناها. تهبّ كذئاب الليل حين تشاء القبض على روح. ترحلين في فجر لم تشرق شمسه. قلبك المفعَم بالحبّ، دفء إنساني جمرُه أبديّ.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard