يوميّات حالِمة: قصّة عائلة صغيرة... قصّة صعتر مزروع "تحت السما بشويّ"

6 تشرين الأول 2019 | 13:19

الطريق إلى قرية كفرحونة طويلة ولكن الصعتر يستحق كل هذا العناء. هذا العشب المُتألّق! ولكنه يتخطّى التألّق الموسميّ بطعمه اللاذع والشرس. ويُقال إنه قادر أن يُساعد في التخلّص من الحشرات في المنزل (ما تسألوني كيف، فقد قرأت الخبر مُتجزئاً عبر غوغل). وهو النافذة المُشمسة التي تُعيدني إلى قريتي ددة في الكورة (لم أتمكّن من أن أتمالك نفسي و"زمّط" أنني شماليّة في طريقي إلى الجنوب). و"صباحيّات الصبا" وجلسات الثرثرة "الشكسبيريّة يالّلي ما بيزمط منّها حدن". و"كزدار المسا" ومنقوشة بصعتر "بإيد" مع شويّة سمّاق...و"شفتو طَلَّع فيّي بطرف عينو، عم قلّك شفتو"! وكيف نُفوّت علينا استقبال "ريّو"، الجرو المعجوق "بكل يالّلي عم بيصير معو" و"هيك مش عارف حالو عالمظبوط شو بدّو بس بدّو شي"؟



وكيف لا نتذوّق أكثر الأعشاب "قوّة" وجفافاً؟ هذا الصعتر البرّي "الجامح" ("بسيطة مرّقولنا ياها") الذي يعشق الطقس الحار. وكفرحونة هُناك، في قضاء جزين "المهيوبة" والقائمة تحت السما بشوي، أو هكذا يُخيّل لنا في هذا الصباح الصيفيّ "المشوّب ليوم الشوب". وعلينا أن نمضي الوقت قبل أن نصل إلى "حقول الصعتر"، وقبل أن يروي لنا فادي عزيز "كيف خوت هونيك نهار" وترك وظيفته المرموقة في التصميم وخلق العلامات التجاريّة المميزة وقرر أن يزرع الصعتر في مختلف النكهات في كفرحونة المشهديّة والقاسية في جمالها.

لبنان الجميل يتفتّح وردة نَضرة أمام فريق عمل "النهار". البعض منّا ينام ("مش راح نحدّد مين بس راح نكتفي بلطشة صغيرة") والبعض الآخر يأكل (بنهم وبدّكن تقولوا الأخضر واليابس!) ولبنان يضع إطلالته المهيوبة في تصرّف من يُريد أن يتعرّف إلى مُنحنياته المُتدفقة في جدول نهر صغير "مُصفصف" بحكايات إحتفاليّة. و"هالأخوت هونيك" في كفرحونة ترك وظيفته المرموقة نهائياً ليزرع الصعتر ويمزجه بعشرات النكهات.

وماريا زوجته تبتسم ابتسامة صغيرة وتهزّ كتفيها هاتفة "إيه مجنون"، ولكنها تؤمن به وبحلمه حتى النهاية. وهي تدعمه في كل خطوة يقوم بها. ومعهما ولديهما كريس ولين. كريس "إبن بيّو" الذي يضطلع بدور المُساعد الشخصي لفادي، ولين المُنشغلة بدرّاجتها الصغيرة. و"ريو"، آه من "ريو" الذي يُريد كل شيء و"حبّوني، حبّوني ع عدد الدقايق". في العام 2017 قرّر فادي عزيز زوجته ماريا إيجاد ذريعة ليبعدوا "الولاد" عن ضوضاء المدينة بعيداً من هيمنة التكنولوجيا، "ليفلتوا" في القرية.

كلا! "ما تصدقوا" هذه الخبريّة.

"القصّة وما فيها" أن فادي عزيز "بربع عقل" وقادته رغبته في الإبداع إلى تحويل كفرحونة الملاذ الآمن الذي صار الكبار والصغار من كل الوظائف والمهن والإختصاصات يزورونه بحثاً عن جلسة هنيّة ومأكولات لبنانيّة شهيّة والكثير من الصعتر.

فهو لا يكتفي بزراعة الصعتر ومزجه مع عشرات النكهات تحت إسم:

The Good Thymes، بل حوّل أول مدرسة كانت موجودة في القرية (وأكلها الإهمال لاحقاً) مصنعاً يُنجز فيه خلطات الصعتر الشهيّة وفي الوقت عينه سخّر الفسحة الخارجيّة "ميناء إقتراضيّة" يرتاح فيها الزوّار ويتناولون المأكولات الرائعة حول طاولة واحدة يتقاسمونها مع زوّار آخرين يبحثون مثلهم عن المُغامرة و"شويّة رواق" بعيداً من يوميّاتهم "المكدّسة".

كما يزورون الحقول التي يُزرع فيها الصعتر ويحتسون القهوة، وربما اختاروا تناول الطعام وسط الحقول المنسيّة(؟)، ويُساعدون في "التحويش".

الصعتر، كما يرسمه فادي عزيز لوحة مُستقبليّة الطلّة، هو رائحة لبنان الذي يضع في تصرّفنا هذا الصباح مشهيّاته المرئيّة. والطريق إلى كفرحونة طويلة.

ولكن حكاية فادي وماريا وكريس ولين، و"دخيلكن ما تنسولي ريّو"، تستحق كل هذا العناء.

وبما أنها سيرة وانفتحت، ها هي العائلة تطلّ من بعيد وتستقبلنا بالأهلا وسهلا (وريّو يرقص شمالاً يميناً).

فنجان قهوة، مشهيّات صباحيّة، وهيا بنا نكتشف الصعتر. هذا العشب "الجامح" الذي كان الشاهد على "كزدار" وجلسات ثرثرة "ما حدن زمط منها".

 Hanadi.dairi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard