لبنان... دولة محتلة وفاشلة تحتاج إدارة دولية

6 تشرين الأول 2019 | 09:23

احتجاجات الأحد الماضي للمطالبة بتحسين الأحوال المعيشية (تصوير نبيل اسماعيل).

فيما كنت استمتع بشمس صباحية دافئة من خلف زجاج نافذتي، وأشاهد ما يجري أمامي من احتفال لردايو كندا بعيده، مع الموسيقى الاحتفالية المرافقة والحركة الصاخبة أحيانا والنشطة دائما أمامه؛ كانت بيروت تزيل آثار تظاهراتها التي جرت قبل ساعات.

هذه التظاهرات التي يبدو أنها "فاجأت المسؤولين" وأخذتهم على حين غرة! ننتظرها، وأكثر منها، منذ أجل بعيد. الاستغراب هو لماذا لا تحصل انتفاضة سلمية فعلية! وماذا ينتظر اللبناني ليعبر عن الغضب المعتمل في نفسه لرفض الحضيض الذي أوصل إليه؟

في الحقيقة يمكن اعتبار أن ما حصل الأحد من نزول إلى الشارع وما رافقه من افتعال عنف، أصبح "باراديغم" الاعتراضات اللبنانية.

موضوعيا الوضع مؤهل، كما أشرت، إلى أكثر من اعتراضات بسيطة. لكن لنتابع السيناريو المنتج في كل مرة مؤخرا.

تقترح مجموعة، أو مجموعات من المواطنين، القيام بتظاهرة في تاريخ معين تعبيرا عن الغضب مما وصلت إليه البلاد إلى حد أزمة بلغت مؤخرا حد الكارثة التي باتت تهدد بالانهيار الاقتصادي التام.

منذ العام 2015 وحتى الآن زاد عجز الدولة اللبنانية 50 في المئة

على الأرجح أن المبادرين من المجتمع المدني، حسن النية والساعي إلى تغيير حقيقي، شاركهم فئات من الشعب متضررة وغاضبة ويائسة وفئات أخرى دخلت على الخط.

في هذا الوقت المواطن العادي، الذي ينفخ على اللبن لاكتوائه من الحليب، يتابع ويراقب التحرك ليبني عليه سلوكه المستقبلي.

فماذا يحصل عادة؟ يبدأ الاعتراض سلميا ثم يبدأ البعض فجأة بالتوجه نحو اعتماد سلوك عنفي. وعندما يتوجه الاعتراض صوب السرايا (مقر رئاسة الحكومة) حصرا، يستنتج المواطن أن المظاهرة موجهة ضد طرف واحد في السلطة. ما يشكل حاجزا أمام جزء من اللبنانيين من المشاركة.

عندما يتم التوجه إلى البرلمان يعتبر جزء آخر من الجمهور أن الحراك منحاز. فمقار السلطة أصبحت "ملكيات محاصصاتية". وعندما يتوجه نحو رئاسة الجمهورية، التي يفترض أنها تمثل جميع اللبنانيين، تعترض الرئاسة نفسها وجمهورها الذي يجب الاعتراف أنه لم يعد يضم الجميع.

هذا إلى جانب "الشباب الأهلي راكب الدراجات النارية" الذي يتدخل في منتصف التظاهرة ويبدأ بالتحرك من الشوارع الشعبية القريبة من الوسط التجاري ليحرفها عن السلمية. الأمر الذي يُقرأ عادة بأنهم "زعران" بعض أركان السلطة.

هذا السيناريو يعيق حتى الآن قيام حركة مزلزلة، ينتظر أنها ستحصل ذات يوم، على غرار ما يحصل في العراق.

في العراق ثار الشارع مؤخرا اعتراضا على الفساد والهدر والشعبوية التي تغطي فقدان السيادة وتغطية الاحتلال. ورفع مجددا شعار: "العراق حرة وإيران برا برا".

ردت المراجع العليا في لبنان تظاهرة الأحد الفائت إلى "المؤامرة". اتخذت السلطة من هذه القراءة ذريعة لملاحقة المعترضين على بداية انهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار.

يوضع اللبناني المسكين في الزاوية. عليه أن يتحمل أعباء سوء إدارة السلطة وفسادها وتسببها بانهيار الدولة ومؤسساتها دون مجرد حق الاعتراض. يعني يا ما أحلى قمع الديكتاتوريات والأنظمة الامنية السورية عندما كانت تتحكم بلبنان.

استمعت إلى ما صرح به رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون بتاريخ 3 أكتوبر الجاري: "ممنوع أن نفشل ولن نفشل"، وأردف فخامة الرئيس "حق التظاهر لا يعني حق الشتيمة". ومع أن ما يعلنه الرئيس صحيح مبدئيا، لكنني أقف محتارة أمام الفيديوهات الرائجة التي تنقل لنا بعض مؤتمرات صحافية للرئيس نفسه وهو يشتم الصحافيين وحتى السياسيين من زملائه؟ ماذا أفعل أمامها؟ أتناساها أم ألغيها من ذاكرتي أو أطلب من فخامته تفسيرها لنا ربما كنا لا نستوعب ما المقصود منها؟ وهل إشارتي لها هنا هي "مؤامرة" تتوجب مني المثول أمام القضاء؟

أما الناطق النيابي باسم "حزب الله"، محمد رعد، فقد صرح: "علينا رسم أولوياتنا والابتعاد عن المشاكسات إذا أحسنا التعاون...". صح النوم! "حكومة الوفاق والإنقاذ" لم ترسم أولوياتها بعد! فماذا نقول لمثل هذا المسؤول؟ وهل يحق للمواطن أن يسأل النائب الكريم، وحزبه من خلفه، عن مشاركته في السلطة منذ عقود؟ وهل يشرح لنا كيف وصلنا إلى هنا؟

وعلى رأي النائب سامي الجميل في مؤتمره الصحافي، إذا كانت هناك من مؤامرة في لبنان، فهي مؤامرة احتكار المسؤولين الموجودين الآن في الحكم للسلطة، على الأقل منذ التسوية سيئة الذكر، التي تقاسموا فيها السلطة والمحاصصة بالتكافل والتضامن.

أما من يعتبرون أن العهد الحالي بريء من دم الانهيار فالسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ألم يشارك التيار الوطني الحر في الحكم منذ العام 2011، مشاركة فعالة إذا لم تكن تامة في السلطة وأراد استلام قطاع الكهرباء لإصلاحه، كما قال، وكان له ذلك؟ ألا تجمع التحليلات على لسان الخبراء أن مشكلة الانهيار البنيوية التي بتنا نعاني منها بدأت تحديدا منذ ذلك الحين؟ وإذا كان تيار "الإصلاح والتغيير"، هو حقا على ما يعلن عن نفسه، ألم يكن يعني استلامه السلطة مع العهد، البدء بلمس تحسن اقتصادي ووقف للهدر وللمحسوبيات ولانهيار الدولة؟

فماذا نجد في المقابل؟

الأرقام التي أوردها الجميل، بناء على إحصائيات موثقة كما أعلن، تبين ما يلي:

منذ العام 2015 وحتى الآن زاد عجز الدولة 50 في المئة. النمو الاقتصادي تراجع من 2 في المئة سنويا إلى صفر بداية العام إلى مؤشر سلبي حاليا. ازدادت النفقات 26 في المئة. زاد الدين العام 25 في المئة.

لا يبقى إلا إعلان لبنان دولة فاشلة تحتاج إلى إيجاد طريقة لإدارة دولية رسمية

وبالتالي تقع المسؤولية، على العهد أولا، وعلى جميع مكونات السلطة السياسية التي أجرت تسوية فيما بينها وتحكم بالسراء وتتلاعن وتتشاتم وتختلف بالضراء. ولا يمكن لأحد منها أن يتهم طرفا أو أن يبرئ نفسه. وخصوصا التيار الحزبي الحاكم الذي أجرى اتفاق مار مخايل مع "حزب الله"، الذي عطل سير الحكم في لبنان لعدة سنوات، فاقت في مجملها السنوات الخمس! ما أضعف الدولة وفرض هيمنة الدويلة (أين حصل هذا في العالم؟!)، كي يأتي بالرئيس الحالي وكي يمنع تسيير أي سياسة أو قرار لا يوافقه!

آن للمواطن أن يحكم بنفسه عن المسؤول الأول الذي أوصلنا إلى هنا، بتواطؤ وتغطية من جميع المشاركين في السلطة.

لا يمكن تفادي الانهيار المتسارع ولا لأي تغيير أن يحصل، إذا لم يتغير الطاقم السياسي برمته من أجل طاقم نزيه من أصحاب الخبرة الشرفاء المشهود لهم بالكفاءة ومن غير أصحاب الثروات غير المشروعة.

ونظرا لتعذر انتظار حصول ذلك طوعا من المتواجدين في الحكم، لا يبقى إلا إعلان لبنان دولة فاشلة تحتاج إلى إيجاد طريقة لإدارة دولية رسمية. وليس رعاية ضمنية فقط على ما هو حاصل اليوم.

أبو أحمد: لن نستسلم والصحف ستعود الى مجدها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard