ما خيارات واشنطن اليوم إزاء أحداث العراق؟

5 تشرين الأول 2019 | 15:56

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

تظاهرات في العاصمة بغداد، 3 تشرين الأول 2019 (أب).

تسارعت الطوّرات السياسيّة في العراق مع دعوة زعيم التيار الصدري رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر إلى استقالة الحكومة العراقيّة ل "حقن الدم العراقيّ الشريف" وإجراء انتخابات نيابيّة مبكرة بإشراف الأمم المتّحدة. وانضمّ إلى مطلبه رئيس الوزراء العراقيّ السابق حيدر العبادي. وكانت حصيلة الضحايا التي نتجت عن استخدام العنف في مواجهة المتظاهرين قد بلغت 100 قتيل من بينهم 6 شرطيّين إضافة إلى حوالي 4 آلاف جريح. 

رفعت الحكومة بدءاً من اليوم السبت حظر التجوال الذي فرضته الخميس "لضرورات ومتطلّبات المواطنين في حياتهم اليوميّة". لكن لا يزال أمام رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الكثير من التحدّيات لتهدئة الشارع العراقيّ. ولا تقتصر هذه التحدّيات على تخفيف استعمال القوّة في مواجهة المتظاهرين أو البدء بإصلاحات شاملة من غير المتوقّع أن تؤتي ثمارها خلال الأشهر القادمة، أكان بسبب تجذّر الفساد لفترة طويلة في المؤسّسات أو بسبب التناقضات الحكوميّة. فللصراع الأميركيّ-الإيرانيّ ثقله الخاص على المشهد العراقيّ.

في ظلّ الاضطربات الحاليّة بإمكان احتدام الصراع أن يضاعف الأزمة ويوسّع العراق كساحة لتصفية الحسابات. ومع أنّ واشنطن لم تدخل علناً على خطّ الأزمة، قد يصعب إبقاء الإدارة الأميركيّة مسافة ممّا يجري حاليّاً، إلّا إذا كانت تتمتّع بحسابات تتطابق مع ما ذكره صحافيّون وباحثون.

مساعدات

يؤكّد الباحث البارز غير المقيم في "المجلس الأطلسيّ" الدكتور سي أنتوني بفاف ضرورة عدم تحرّك واشنطن علناً خلال الأزمة لتفادي الحساسيّات الموجودة عند العراقيّين. لكن بطريقة غير مباشرة، يمكنها تركيز جهودها على الحلول الاقتصاديّة وتهيئة الظروف لتعزيز الاستثمارات الأميركيّة وغيرها في العراق. بعد انتهاء المظاهرات، سيكون بإمكان واشنطن التحرّك بشكل أكثر وضوحاً، مع تأمين الخبرات لمساعدة الحكومة على إجراء الإصلاحات. بالنسبة إلى الباحث، قدّمت الولايات المتّحدة هكذا مساعدات من قبل، لكنّ العوائق والأولويّات حينها منعتها من أن تكون فعّالة.

ثمّة أسباب قد تدعو واشنطن للحذر من تحويل موارد ماليّة إضافيّة إلى العراق من دون إصلاحات أكثر جذريّة. بالمقابل، إنّ إصلاحات تطال أسس النظام التمثيليّ كما يطالب به البعض قد يتطلّب جهوداً داخليّة وإقليميّة كبيرة.

على سبيل المثال، وجد الباحث البارز غير المقيم في "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" حارث حسن أنّ عبد المهدي فشل في إدخال أيّ إصلاحات بارزة وأصبح بشكل متزايد "رهينة" الفصائل السياسيّة وشبه العسكريّة القويّة التي عزّزت نفوذها من خلال "أساليب قانونيّة وغير قانونيّة". وطالب بتغيير ذي معنى في إدارة الشؤون السياسيّة بدءاً من إصلاح القانون الانتخابيّ وصولاً إلى إنهاء المحاصصة الحزبيّة في مواقع وموارد الدولة.

"لن يكون مفيداً"

على الرغم من صعوبة إنهاء المحاصصة في دولة تغلغل فيها هذه الممارسة لسنوات طويلة، قد يكون إصلاح القانون الانتخابيّ أكثر صعوبة حتى بما أنّه سيرسم حدوداً جديدة لتوزيع النفوذ السياسيّ في مرحلة ضبابيّة وربّما انتقاليّة تمرّ فيها البلاد. ومع ذلك، يبدو أنّ هنالك بعض التوافق في التحليلات حول ضرورة أن يكون تدخّل الولايات المتّحدة في تهدئة الأوضاع الحاليّة بعيداً عن الأضواء. وفي الأساس، قد لا تملك واشنطن الكثير من الخيارات لصياغة سياسة موحّدة في هذه المرحلة وفقاً لما يكتبه المحلّل في "معهد واشنطن" بلال وهاب.

ويجادل الباحث في أنّ بإمكان الإدارة تقديم استشارات هادئة لرئيس الحكومة ومسؤولين آخرين، أمّا توجيه الرسائل العلنيّة فلن يكون مفيداً حاليّاً. بإمكان واشنطن بحسب رأيه الضغط على الحكومة لإظهار ضبط النفس في مواجهة المظاهرات ووضع الأمنيّين الذين لا يلتزمون بذلك على لائحة العقوبات. وبعدما طالب بفتح تحقيقات حول مقتل الناشطين في البصرة خلال مظاهرات صيف 2018، رأى وهاب أنّه لم ينقص العراق النصائح الأجنبيّة الجدّيّة لتطوير الاقتصاد في السنوات الماضية بل الإرادة السياسيّة لتطبيقها.

ربّما تطلق الاحتجاجات الحاليّة، معطوفة على مطالب الصدر ودفع النجف أمس الحكومة العراقيّة لإجراء المزيد من الإصلاحات، جرس إنذار لعبد المهدي. لكنّ السؤال الذي يلوح في الأفق كلّما تمّ تحميل رئيس الحكومة العراقيّة وزر البدء بخطّة إصلاحيّة هو نفسه: هل يستطيع تنفيذها؟ الأصوات الغربيّة المتفائلة في الإجابة تبدو قليلة.

"كبش فداء"

بالنسبة إلى الكاتب السياسيّ في شبكة "بلومبيرغ" بوبي غوش، أعطي عبد المهدي منصبه لعجز الأحزاب عن تشكيل تحالف حكوميّ. ولو استمرّ العنف، فالأحزاب التي رأت فيه مرشّح تسوية مفيدة ستجد أنّه "كبش فداء" مفيد أيضاً. وردّاً على خوف واشنطن من استبداله بشخصيّة موالية لإيران، أكّد أنّ تدخّل الأميركيّين لدعمه سيكون "خطأ فادحاً" بناء على إدراكه حساسيّة العراقيّين إزاء التدخّل الأميركيّ في شؤونهم والمساوية لحساسيّتهم إزاء التدخّل الإيرانيّ. طالب غوش الإدارة بالضغط على عبد المهدي لتطبيق الإصلاح الذي يريده الشعب وبربط المساعدات الماليّة والعسكريّة بشرط تنفيذه. ورأى أنّ على واشنطن، في حال إقالة عبد المهدي، أن تترك للعراقيّين حرّيّة اختيار رئيس حكومتهم المقبل لأنّهم أكثر معارضة من واشنطن لأيّ شخصيّة تخضع لإيران بحسب رأيه.

يبدو العراق أكثر جاذبيّة من أن يكون بإمكان الولايات المتّحدة مشاهدة الأحداث فيه من بعيد والاكتفاء ببعض النصائح والاستشارات والتحفيزات الماليّة. إنّ دولة عراقيّة فوضويّة تسمح لإيران بتعزيز نفوذها أكثر في الوقت الذي تكتفي واشنطن بمراقبة التطوّرات، على الرغم من أنّ الشعور المناوئ لطهران قد يكون آخذاً في الاتّساع خصوصاً بعد إقالة رئيس جهاز مكافحة الإرهاب عبد الوهاب الساعدي. لذلك، تجد واشنطن نفسها أمام حسابات بالغة الدقة. وفي نهاية المطاف، أبدت الولايات المتّحدة سياسة ضبط نفس واضحة إزاء تصعيد إيرانيّ أكثر انعكاساً على أمنها ممّا هو عليه الوضع في العراق حاليّاً. فهل تواصل واشنطن اليوم السياسة نفسها تجاه بغداد كي تحرم طهران ممّا تصبو إليه؟

أي علاقة بين انتفاضتي العراق ولبنان؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard