اللقاء الأخير

30 أيلول 2019 | 09:56

المصدر: النهار

أجلس في مكاني المعتاد -كنت أجلس في مواجهتك

فعلتُ كل شيء كانت تمليه الكرامةُ عليّ حينها، وانحزتُ لكبريائي دون تردد، ولكني ما زلت أحنّ إلى المكان الذي جمعني بك وسمع أولى نبضات قلبي، وشهد رعشة يدي، فأركان المكان يسكنها الخجل، وأرجاؤه يتخللها الحب والدفء.

أجلس في مكاني المعتاد -كنت أجلس في مواجهتك- على رغم أنني أتحجج كثيراً لتغيير مكاني في بداية الأمر -ولكن كانت هناك لدي رغبة تجعلني أطير فرحاً عندما أشاهد إصرارك الملحّ للجلوس أمامك -المهم أني ذهبت إلى مكاننا المعهود، وطلبت من النادل المشروب الذي اعتدت أن أتناوله معك -وبدأتُ بالحديث كالعادة بثرثرة ليس لها معنى وبلا فائدة، والتزمت بالطقوس كلها دون أن يطرأ أي تغير، واستمعت إلى كلامك الذي كان دوماً باقتضاب، رغم أنك تعلم أن هذه العادة تغضبني، ولا أخفي سراً، حاولت مراراً وتكراراً أن أغيّرها ولكني فشلت، فارتضيت بها في نهاية الأمر، ولعلك تعلم أن عيوبك كانت بالنسبة لي مميزة... فلو رأيت عيباً في شخصيتك لقلت إن العيب في عيني. تحدثنا على مدار ساعتين -مرّت كلمح البصر- كان حديثاً مفعماً بالغيرة والاشتياق، ولا يخلو من الخلافات والمشاحنات التي كنت أمتثل لها إرضاء لك، وفي نهاية اللقاء كنت تلقي نظرة إلى ساعة يدك، وتهمّ واقفاً لتلوّح لنادل لكي تدفع الحساب، فأعلم حينها أن جرس المغادرة قد دقّ، فأجمع أشيائي المبعثرة بارتباك يشي بالمفاجأة، واتبعك سريعاً دون أن أنبس بكلمة، نحو باب الخروج.

كل شيء في المكان كما تركناه آخر مرة، كل شيء موجود إلا أنت. نسيت أن أخبرك أنني ما زلت أتعامل معك كأنك حاضر، أتذكر كل تفصيلة وحركة وكلمة كانت تنطق بها شفتاك عدا اللقاء الأخير ما زال عقلي يرفض استيعابه، وقلبي يأبى التكيف معه، فعندما أشمّ رائحة اللقاء الأخير تسيطر على المكان، أتركه على الفور قبل أن يلاحظ أحد دموعي التي تنهمر من قسوة ذلك الموقف الأخير.

أتذكر محاولاتي المستميتة التي كانت تدعوك للبقاء، واعتذاراتي عن أشياء قد تحتمل أزعاجك من أجل أن تبقى معي. اعتذرت عما صدر مني سهواً وقصداً من أجل أن أستجدي عطفك ولكن كان الأمر بلا فائدة، أتذكر التلعثم وكلماتي المبعثرة المشوبة بالضعف لكي تبقى، أتذكر رعشة يدي عندما أمسكت أكمام معطفك حتى لا تنفلت مني، ولكنك جذبتها بعدم اكتراث، أتذكر حالة الذعر التي أصابتني عندما ألقيت بوجهي كلمات كالرصاص، أتذكر البكاء الذي لازمني طول مدة اللقاء –وما زال يلازمني حتى الآن- لك أن تتخيل أنني ما زلت أتذكر هذا جيداً ولكني ما زلت أرفض اللقاء الأخير، وأتعامل معه على أنه كابوس سأستيقظ منه يوماً ما. لا تخبرني أن فراقنا بات أمراً واقعاً، ولا تحدثني أن هذا المكان أصبح ذكرى، بل اتركه لي لكي أواسي به نفسي علّه يخفف عني وطأة غيابك، وتهون عليّ وحشة افتقادك.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard